كل مربٍّ يصحّح ويمنع ويوجّه، وهذا من صميم عمله. لكن التصحيح قد ينقلب ضررًا: كلمة جارحة تُنفّر الطالب، أو نهيٌ في غير وقته يولّد عنادًا، أو إصلاح لخطأ صغير يفتح بابًا لخطأ أكبر
أولًا: الغلظة ليست من منهج السلف
يقول الملف: "والدعاة الذين يُسيئون إلى الناس بالقول الغليظ والنقد الحاد بحجة تبليغ السنة للناس، ومحاسبتهم بالعنف ليس من منهج السلف في شيء."
فالمربي الذي يرفع صوته على طالب باسم الغيرة على الدين، أو ينتقده نقدًا لاذعًا باسم الحق، لا يقترب بذلك من السنة بل يبتعد عنها. فالحق يحتاج إلى أسلوب يليق به.
ثانيًا: الصبر على الأذى
وينقل الملف عن ابن تيمية (الفتاوى 28/108): "…وإذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به من ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما يُصاب من أنفسهم وأموالهم، فالصبر على الأذى في العِرض أولى وأولى، وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب."
والمعنى لمن يعمل في التربية: أن الطالب أو ولي أمره قد يرد على النصيحة بجفاء أو سوء ظن، ومن تمام الأمر بالمعروف أن يصبر المربي ولا يتحول التصحيح إلى معركة شخصية.
ثالثًا: متى يصلح الأمر؟ ومتى يصلح النهي؟
ويورد الملف نصًّا نفيسًا لابن تيمية (الفتاوى 28/130): "فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعيّنة الواقعة. وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا ويُنهى عن المنكر مطلقًا. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة، يؤمر بمعروفها ويُنهى عن منكرها، ويُحمد محمودها ويُذمّ مذمومها، بحيث لا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه."
ويمكن تلخيص ما فيه:
- من جهة الحكم العام: يؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر دائمًا.
- في الواقعة المعيّنة: قد يكون الأنفع الأمر، وقد يكون النهي، وقد يكون السكوت إذا كان المعروف والمنكر متلازمين.
- في الشخص الواحد: يُحمد ما فيه من خير، ويُذمّ ما فيه من شر. فلا نلغي خيره بسبب شره.
- القيد الحاكم: ألا يؤدي النهي عن المنكر إلى منكر أكبر، أو إلى فوات معروف أرجح.
رابعًا: مراتب المعروف والمنكر
ويقول الملف في بيان منهج السلف في الدعوة إنه: "التمييز بين مراتب المعروف ومراتب المنكر، والدعوة إلى أولى المعروفين عند ازدحام المصالح، والنهي عن أنكر المنكرين، وأن يكون درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة، وأن لا يكون دفع المفسدة يجلب مفسدة أكبر، وأن لا يفوّت جلب المصلحة مصلحة أخرى."
خامسًا: أمرك بالمعروف يجب ألا يكون منكرًا
ويختم الملف بنقل عن ابن تيمية (الفتاوى 28/126): "ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بُعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح."
ما معنى هذا في الصف والحلقة؟
1) اسأل قبل أن تصحّح: ماذا سيحدث بعد كلامي؟ إذا كان تصحيحك سيجعل الطالب يترك الحلقة أو يعاند أو يخفي أخطاءه، فربما كان الأنسب تأجيله أو تغيير أسلوبه.
2) فرّق بين الخطأ الصغير والكبير. ابدأ بالأهم، ولا تنهَ عن كل شيء دفعة واحدة. فالطالب لا يتحمل قائمة طويلة من المآخذ.
3) صحّح على انفراد غالبًا. فالتصحيح العلني قد يجرح، وهو من أسباب الأذى الذي لا مصلحة منه.
4) اذكر الخير قبل أن تنتقد الشر. يقول النص: "ويُحمد محمودها ويُذمّ مذمومها". فابدأ بما أحسن، ثم اذكر ما يحتاج إلى إصلاح.
5) تحمّل رد الفعل. قد يتألم الطالب أو يغضب، فلا ترد بالمثل. فالصبر جزء من نجاح النصيحة.
6) تدرّج. وقد نص الملف على أن المنهج يستدعي "التدرج في إقناع المتعلم". فلا تنتظر أن يتغير الطالب في جلسة واحدة.
ما نحذر منه
- السكوت عن كل خطأ بحجة الرفق. فالأمر بالمعروف واجب، والنص يقول "يؤمر بالمعروف مطلقًا".
- القسوة بحجة الحق. فالقسوة منكر يضاف إلى المنكر.
- الجمع بين الأمرين دفعة واحدة. كأن تنقد وتعاقب وتفضح في موقف واحد.
خاتمة
يتميز المربي الحكيم بأنه لا يكتفي بأن يعرف الصواب، بل يعرف كيف يوصله وفي أي وقت. فليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، ولتكن المصلحة راجحة على المفسدة في كل كلمة تقولها لطالبك.
اقرأ أيضًا:
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.