يشكو أب من أن ابنه "يجري وراء الكرة ولا يفتح المصحف"، وتشكو أم من أن ابنتها "لا تفعل إلا القراءة والأذكار ولا تخرج ولا تختلط". وبين الطرفين يتساءل الوالدان: أي الصورتين هي صورة الابن المسلم؟
الصورة التي أراد الإسلام
يقرر الملف أن الأولين "لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة" (أي صورة دائرة ضيقة من العبادات: "كل همهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح")، "ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة، ووطنًا وجنسية، وخلقًا ومادة، وثقافة وقانونًا، وسماحة وقوة.".
ثم يضيف أنهم "لا يهملون أمر عبادتهم ولا يقصرون في أداء فرائضهم لربهم، يحاولون إحسان الصلاة ويتلون كتاب الله، ويذكرون الله تبارك وتعالى على النحو الذي أمر به وفي الحدود التي وضعها لهم، في غير غلو ولا سرف، فلا تنطع ولا تعمق."
وهنا قاعدتان للأسرة: عبادة محسنة، وفي غير غلو.
"فأوغل فيه برفق"
ويستشهد الملف بقول رسول الله ﷺ: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى."
والمنبتّ هو من أجهد دابته حتى انقطعت به، فلا بلغ مقصده ولا أبقى راحلته. وهذا مثال دقيق على ما يفعله بعض الآباء حين يحمّلون الطفل من العبادة ما لا يطيق، فيصل إلى مرحلة يكره فيها كل شيء. فالمطلوب أن نسير بالرفق، ولا نقطع الطريق على الناشئ.
ودنيا أيضًا
ويقول الملف إنهم "يأخذون من دنياهم بالنصيب الذي لا يضر بآخرتهم"، ويذكّر بقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].
فليس التدين تحريمًا لكل طيب، ولا نفورًا من الزينة المباحة. بل أن يأخذ الإنسان نصيبه من الدنيا في حدود لا تضرّ بآخرته.
"رهبان في الليل فرسان في النهار"
فالصورة المطلوبة: قلب خاشع بالليل، وعمل وهمّة بالنهار. وإذا ربّينا أبناءنا على أحد الطرفين فقط، فقد ربّيناهم ناقصين: ناسكًا لا يعمل، أو عاملًا لا يخشع.
حق البدن
ويقف الملف عند العناية بالجسم: "لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأن النبي -ﷺ- يقول: إن لبدنك عليك حقًّا، وإن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدى كاملة صحيحة إلا بالجسم القوي، فالصلاة والصوم والحج والزكاة لا بد لها من جسم يحتمل أعباء الكسب والعمل والكفاح في طلب الرزق."
وهذه نقطة قليلًا ما نتوقف عندها: العناية بصحة الابن وقوته ليست أمرًا ثانويًا، بل هي من لوازم أداء العبادات والأعمال على وجهها.
خمس خطوات لبيت متوازن
1) اجعل للبدن مكانًا في برنامج الأسرة. رياضة منتظمة، ومشي، ولعب في الهواء الطلق. ولا تعدّها "تضييعًا للوقت"، بل جزءًا من التربية.
2) اجعل للقلب مكانًا يوميًّا ثابتًا ولو قصيرًا. صلاة في وقتها، وصفحات من القرآن، وذكر خفيف. فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع.
3) ارفق بالمبتدئ. إذا أراد الابن أن يصوم الاثنين والخميس فلا تمنعه، وإن أراد أن يقوم الليل كله فقل له برفق: "درّج نفسك"، فقد قال النبي ﷺ: "فأوغل فيه برفق".
4) لا تجعل الدنيا عدوًّا. علّمه أن يستمتع بالمباحات: طعام طيب، ولباس حسن، ونزهة، دون إسراف ولا غفلة عن الله.
5) قدّم القدوة. إذا رأى أباه يصلي الفجر ثم يخرج إلى عمله بنشاط، ويمارس رياضته ثم يجلس بعد العشاء مع المصحف، تعلّم التوازن من البيت قبل الكلام.
ما نحذر منه
- أن نجعل التدين نقيض الحياة. فنقول للابن: "الجد في الآخرة، واللهو في الدنيا".
- أن نحمّله فوق طاقته. فتتحول العبادة عنده إلى عبء.
- أن نهمل القلب لأجل البدن، أو العكس. والمطلوب جمعهما.
خاتمة
حين نسأل: ماذا نريد من أبنائنا؟ لنقل: قلوبًا ذاكرة بالليل، وسواعد عاملة بالنهار، وأجسامًا قوية، ونفوسًا تأخذ من دنياها ما يعينها على آخرتها.
تلك هي صورة جيل الصحابة رضي الله عنهم، وهي صورة يمكن أن تتجدد في بيوتنا بتوفيق الله.
اقرأ أيضًا: ما بين الأمر والنهي لدى المربي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.