سلسلة ماذا حدث لنا؟
المقال الثاني
ماذا حدث للإنسان؟ حين أصبح يبحث عن قيمته في أعين الآخرين
لماذا أصبح الإنسان في زماننا ينظر إلى نفسه من خلال عيون الآخرين؟ ولماذا: صار نجاحه لا يكفيه إن لم يصفق له الناس، وإنجازه لا يفرحه إن لم يره الآخرون، وصورته عن ذاته تتغير بحسب كلمات المديح أو النقد التي يسمعها؟
لقد حدث تحول عميق في علاقة الإنسان بذاته؛ فقد انتقل كثير من الناس من سؤال: «من أنا؟» إلى سؤال: «كيف يراني الآخرون؟».
وهنا بدأت أزمة جديدة من أزمات الإنسان المعاصر؛ أزمة البحث عن القيمة خارج الذات، وانتظار الاعتراف من الآخرين حتى يشعر الإنسان بأنه مهم ومقبول وناجح.
فهل أصبح الإنسان يعيش حياته، أم أصبح يعيش الصورة التي يريد للآخرين أن يروه بها؟
أولًا: حين أصبحت نظرة الآخرين مرآة الإنسان
من الطبيعي أن يحب الإنسان التقدير والاحترام، وأن يتأثر بكلمة طيبة أو نقد صادق، فهذه حاجات إنسانية طبيعية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح قيمة الإنسان كلها مرتبطة برأي الآخرين فيه.
إذا مدحوه شعر أنه عظيم، وإذا تجاهلوه شعر أنه بلا قيمة.
إذا أعجبوا به اطمأن، وإذا انتقدوه انهار.
وإذا نجح أمام الناس شعر بالسعادة، حتى لو كان في داخله فارغًا ومتعبًا.
وهنا يتحول الإنسان إلى شخص يعيش وفق معايير الآخرين، لا وفق مبادئه وقيمه.
لقد أصبح السؤال عند البعض: ماذا سيقول الناس عني؟
أهم من السؤال: هل ما أفعله صحيح؟ وهل يتفق مع ضميري وقيمي؟
وهذه بداية فقدان الإنسان لذاته.
ثانيًا: حين تحولت الحياة إلى استعراض
في عصر الصورة، أصبح الإنسان قادرًا على عرض حياته أمام الآخرين بصورة لم تكن متاحة من قبل.
يعرض أجمل لحظاته، وأفضل إنجازاته، وأجمل الأماكن التي ذهب إليها، وأفضل ما يملك، ثم ينتظر الحكم:
هل أعجبوا بي؟
هل تفاعلوا معي؟
هل تحدثوا عني؟
هل رأوني ناجحًا؟
وهكذا أصبحت بعض جوانب الحياة أشبه بمسرح كبير، وأصبح الإنسان أحيانًا لا يعيش اللحظة من أجل نفسه، وإنما من أجل تصويرها وإظهارها للآخرين.
فبدلًا من أن يسأل: هل أنا سعيد؟
يسأل: هل أبدو سعيدًا؟
وبدلًا من أن يسأل: هل أنا ناجح؟
يسأل: هل يراني الناس ناجحًا؟
وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين الحياة الحقيقية والصورة المعروضة عنها.
ثالثًا: وسائل التواصل وتضخيم الحاجة إلى الاعتراف
لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت للإنسان فرصًا عظيمة للتواصل والتعلم ونشر المعرفة، لكنها في الوقت نفسه جعلت المقارنة الاجتماعية أكثر حضورًا في حياتنا اليومية.
فالإنسان يرى نجاحات الآخرين بصورة مستمرة، لكنه غالبًا لا يرى تعبهم وفشلهم وخوفهم وأزماتهم.
يرى النتيجة ولا يرى الطريق.
يرى الابتسامة ولا يرى الدموع.
يرى لحظة النجاح ولا يرى سنوات المعاناة.
ومن هنا تبدأ المقارنة الظالمة.
يقارن الإنسان حياته الكاملة بلحظة منتقاة من حياة شخص آخر، ثم يخرج بنتيجة مؤلمة:
«أنا أقل منهم.»
وقد تكون الحقيقة أن الآخر يعاني مثلما يعاني، ولكنه ببساطة لا يعرض أمام الناس إلا الجانب الذي يريدهم أن يروه.
لذلك يجب أن نتذكر دائمًا:
ما نراه على الشاشة ليس الحياة كلها، وإنما جزء مختار منها.
رابعًا: حين أصبح القبول الاجتماعي حاجة لا تنتهي
هناك فرق بين أن يحب الإنسان أن يكون محبوبًا، وبين أن يصبح عاجزًا عن الحياة دون قبول الآخرين.
فالأول طبيعي، أما الثاني فقد يتحول إلى عبء نفسي دائم.
الشخص الذي يحتاج باستمرار إلى إعجاب الآخرين يعيش في حالة من القلق:
هل أخطأت؟
هل تغيرت نظرتهم إليّ؟
لماذا لم يردوا؟
لماذا لم يمدحوني؟
لماذا نجح غيري ولم أنجح؟
وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لتقييم الآخرين.
والمشكلة أن رضا الناس ليس ثابتًا.
فقد يمدحك شخص اليوم وينتقدك غدًا.
وقد يحبك إنسان بسبب موقف، ثم يختلف معك بسبب موقف آخر.
فإذا جعلت قيمتك في أيدي الناس، أصبحت قيمتك متغيرة بتغير مزاجهم وأحكامهم.
خامسًا: الإنسان الذي يخاف من الرفض يفقد حريته
من أخطر نتائج البحث عن القيمة في أعين الآخرين أن الإنسان قد يبدأ بالتنازل عن شخصيته ومبادئه حتى لا يُرفض.
يقول «نعم» وهو يريد أن يقول «لا».
يصمت عندما ينبغي أن يتكلم.
يتكلم عندما كان الأفضل أن يصمت.
يوافق على ما لا يؤمن به.
وقد يغير قناعاته وأسلوبه وشخصيته حتى يحصل على القبول.
وهنا لا يعود الإنسان يعيش حياته، وإنما يعيش نسخةً منه صممها الآخرون.
إن الإنسان الحر ليس هو الذي يفعل ما يريد بلا ضوابط، وإنما هو الذي يستطيع أن يلتزم بالحق والقيم، حتى عندما لا يحصل على تصفيق الآخرين.
سادسًا: القيمة الحقيقية لا تُقاس بالتصفيق
إن قيمة الإنسان أكبر بكثير من شهرته أو مظهره أو عدد متابعيه أو مقدار إعجاب الناس به.
قيمة الإنسان في أخلاقه، في علمه، في صدقه، في أمانته، في رحمته، في عطائه، في أثره الطيب، وفي قدرته على أن يكون نافعًا للناس.
وقد وضع القرآن الكريم معيارًا عظيمًا للقيمة الإنسانية، فقال تعالى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فالمعيار الإلهي لا يقوم على الشهرة ولا المال ولا الشكل ولا المكانة الاجتماعية، وإنما على التقوى والعمل والقيمة الحقيقية للإنسان.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
فالإنسان المؤمن لا يستمد كرامته من تصفيق البشر، وإنما من صلته بالله، ومن احترامه لذاته، ومن ثباته على الحق.
سابعًا: لا تجعل النقد يهدمك ولا المديح يخدعك
النقد ليس دائمًا إهانة، كما أن المديح ليس دائمًا حقيقة.
قد ينقدك إنسان لأنك أخطأت، فاستفد من نقده.
وقد يمدحك إنسان لأنه يحبك، فلا تجعل مديحه سببًا للغرور.
والإنسان الناضج هو الذي يستطيع أن يسمع النقد دون أن ينهار، ويسمع المديح دون أن يفقد توازنه.
يسأل نفسه:
هل هذا النقد صحيح؟
فإن كان صحيحًا أصلح خطأه.
وإن كان ظالمًا تجاوزه.
ويسأل:
هل هذا المديح مستحق؟
فإن كان مستحقًا شكر الله، وإن كان مبالغًا فيه لم يجعله أساسًا لشخصيته.
وهكذا يصبح الإنسان صاحب ميزان داخلي، لا تتحكم فيه أصوات الآخرين.
ثامنًا: استعادة الإنسان لذاته
استعادة الإنسان لقيمته تبدأ من الداخل.
أن يعرف من هو.
وأن يعرف ما يؤمن به.
وأن يحدد أهدافه.
وأن يميز بين ما يريده هو وما يريده الآخرون له.
أن يتعلم أن يقول «لا» عندما تكون «لا» هي الموقف الصحيح.
وأن يتوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين.
وأن يدرك أن لكل إنسان ظروفه وطريقه وتوقيته الخاص.
ليس مطلوبًا منك أن تكون نسخة من أحد.
وليس مطلوبًا أن يحبك الجميع.
وليس مطلوبًا أن تثبت نفسك في كل موقف.
يكفي أن تكون صادقًا مع نفسك، مستقيمًا في طريقك، نافعًا في حياتك، راضيًا عن ضميرك، وقبل ذلك كله طالبًا رضا الله.
تاسعًا: من إرضاء الناس إلى صناعة الأثر
هناك فرق كبير بين إنسان يعيش لكي يراه الناس، وإنسان يعيش لكي يترك أثرًا.
الأول يسأل:
كم شخصًا أعجب بي؟
والثاني يسأل:
كم إنسانًا استفاد مني؟
الأول يبحث عن الشهرة.
والثاني يبحث عن الرسالة.
الأول يريد أن يكون حاضرًا في عيون الناس.
والثاني يريد أن يكون حاضرًا في أثره.
والحياة لا تقاس بعدد الذين عرفوا اسمك، وإنما بعدد القلوب التي تركت فيها خيرًا، والعقول التي أضأت فيها فكرة، والإنسان الذي ساعدته، والمشكلة التي ساهمت في حلها.
عاشرًا: ماذا نريد من الإنسان أن يستعيد؟
نريد منه أن يستعيد إنسانيته قبل صورته.
أن يستعيد ضميره قبل شهرته.
أن يستعيد قيمه قبل إعجاب الآخرين.
أن يتعلم أن يكون سعيدًا دون أن يحتاج إلى إعلان سعادته.
وأن يعمل الخير دون أن ينتظر التصفيق.
وأن ينجح دون أن يجعل نجاحه وسيلة لإذلال الآخرين.
وأن يعرف أن الإنسان العظيم ليس هو الذي يراه الجميع عظيمًا، وإنما هو الذي يبقى عظيمًا حتى عندما لا يراه أحد.
خاتمة
ماذا حدث للإنسان؟
لم يفقد الإنسان قيمته، ولكنه نسي أين يبحث عنها.
بحث عنها في أعين الناس، فوجدها متقلبة.
وبحث عنها في الشهرة، فوجدها مؤقتة.
وبحث عنها في المال والمظاهر، فاكتشف أنها لا تمنح القلب بالضرورة سلامًا.
ثم يعود في النهاية إلى الحقيقة الكبرى:
قيمتك ليست فيما يقوله الناس عنك، وإنما فيما أنت عليه حقًا.
فلا تجعل حياتك مشروعًا لإرضاء الآخرين.
ولا تسمح لتعليق عابر أن يهدم ثقتك بنفسك.
ولا تجعل مديحًا عابرًا يصنع لك غرورًا.
كن كما ينبغي أن تكون، لا كما يريد الآخرون أن تكون.
اعرف قيمتك، وأصلح داخلك، واثبت على مبادئك، واعمل الخير، واترك أثرًا جميلًا.
فليس أعظم انتصار للإنسان أن يقنع العالم بأنه عظيم،
بل أن يصبح عظيمًا في الحقيقة، ولو لم يصفق له أحد.
وهنا تبدأ رحلة الإنسان من جديد:
من البحث عن قيمته في أعين الناس… إلى اكتشاف قيمته في ذاته، وأخلاقه، ورسالته، وصلته بربه.
اقرأ أيضًا: قراءة في أزمة الثقة والعلاقات الإنسانية (المقال الأول من السلسلة)
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية