أصول دستور العلاقات بين المسلمين وغيرهم
الأول - الأصول القرآنية:
فأما القرآن الكريم فإن دستور العلاقات بين المسلمين وغيرهم فيه بينه قول الله عز وجل:﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8 - 9]
والبر: هوالفضل والخير، والقسط: هوالعدل.
فهما بنص القرآن الكريم مطلوبان من المسلم للناس كافة، بل للخلق كافة، ويستوي في ذلك من الناس من آمن بالإسلام ومن كفر به، اللهم إذا كانوا يقاتلونه في دينه، ويخرجونه من داره أويظاهرون على إخراجه.
وهذا الدستور القرآني عام يشمل غير المسلمين أيا كان دينهم .
أما أهل الكتاب: اليهود والنصارى فلهم أحكام أكثر تفصيلا لما يليق بهم من البر وما يجوز، بل ما يندب القرآن إليه من الود.
فطعامهم للمسلمين مباح، وطعام المسلمين مباح لهم، وهل يستقيم الجوار في الدار وأحد الجارين ممنوع من تناول طعام جاره؟!
قال تعالى:﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 5] ونكاح نسائهم جائز، وإن منع الإسلام رجالهم من التزوج بنساء المسلمين فما ذلك إلا فرع لأصل قرره الإسلام في تنظيم الحياة الزوجية: أن القوامة والرئاسة فيها للرجل، وهولا يؤمن بالإسلام فكيف يَؤْمَن على المسلمة أن تكون له زوجا، وهي مكلفة أن تقيم شعائر دينها وتطيع ربها؟
وبعض الطاعات وبعض المنهيات متصل أوثق اتصال بالحياة الزوجية، وبعضها متعلق بأخص الخصائص بين الزوجين.
أما المسلم حين يتزوج الكتابية فهومؤمن بدينها، مصدق بكتابها، موقر لنبيها، لا يتم إيمانه إلا بذلك كله، فأي خشية تكون على دينها منه؟
وحياة المشتركين – في البيت أو الوطن – لا تخلومن مسائل تثير الجدل ويدور حولها النقاش، فعندئذ يكون ميزان المسلم الذي يزن به ما يحل له وما لا يحل هو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
وهذا النص القرآني وإن كان عاما في كل جدل يتصور وقوعه بين المسلمين وأهل الكتاب، فإن أولى ما يتبع فيه حين يكون الجدال في أمر ديني، تجنبا لإيغار الصدور، وإيقاد نار العصبية والبغضاء في القلوب، بل إن عفة اللسان واجبة على كل المسلم حتى مع المشركين من عبدة الأوثان، ففيهم نزل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ…﴾[الأنعام: 108].
وفي القرآن الكريم نصوص عديدة تنهى عن موالاة غير المسلمين أوغير المؤمنين، منها قوله تعالى:﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].
وقوله سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144].
وقوله تعالى:﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ…﴾[المجادلة: 22].
هذه الآيات ونظائرها، وهي كثيرة، تقرر أصلا قرآنيا خاصة بوجهة الولاء:
لمن يكون ولاء المسلم؟
وأين يقف حين يقع النزاع أويحتدم الصراع أوتوري الحرب زندها بين المؤمنين والكافرين؟
والجواب في القرآن الكريم صريح قاطع، إن المؤمن لا يولي – حينئذ – إلا الله ورسوله والمؤمنين.
وهذا الأصل محاط بالضوابط التي تحول دون تحوله إلى عداوة دينية أوبغضاء عقيدية، اوفتنة طائفية:
1- فالنهي ليس عن اتخاذ المخالفين في الدين أولياء بوصفهم شركاء وطن أوجيران دار أو زملاء حياة، وإنما هوعن توليهم بوصفهم جماعة معادية للمسلمين تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به القوى المناوءة للمسلمين والمحادة لله ورسوله.
ولذلك تكررت في النصوص القرآنية عبارة "من دون المؤمنين" للدلالة على أن الموالاة المنهي عنها هي الموالاة التي يترتب عليها انحياز المؤمن إلى معسكر أعداء دينه وعقيدته، من حيث هم أعداء لهذا الدين وهذه العقيدة.
2- إن الموادة المنهي عنها هي موادة المحادين لله ورسوله، لا موادة مجرد المخالفين ولوكانوا سلمًا للمسلمين.
فقد ربط القرآن الكريم النهي عنها في سورة المجادلة بالمحادة لله والرسول، وفي سورة الممتحنة بإخراجهم الرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق: "يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم"
3- إن غير المسلم الذي لا يحارب الإسلام قد تكون مودته واجبة وصلته فريضة دينية، وذلك شأن الزوجة الكتابية وأهلها الذين هم أخوال أبناء المسلم وجدته وجده، وكلهم من الأرحام الذين صلتهم واجبة على المسلم، ومودته قربة يراد بها وجه الله تعالى، وقطيعتهم ذنب وإثم، ويكفي هنا ما في الحديث القدسي: "الرحم مني.. من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته"
وشأن الجار، الذي بلغ من تكرار جبريل الوصية به أن ظن النبي أن الله سيجعل له في الميراث نصيبا: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
4- إنه لا شك في أن الإسلام يعلي الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، فالمسلم أخوالمسلم، والمؤمنون أخوة، والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر، ولوكان أباه أوأخاه أوابنه.
ولكن ذلك لا يعني أن يلقي المسلم بالعداوة إلى غير المسلم لمجرد المخالفة في الدين أوالمغايرة في العقيدة، بل الأصل هوالمودة والبر، والاستثناء – عندما تقوم دواعيه وأسبابه – أن يمتنع المسلم عن موالاتهم أومودتهم، انتصارا لدينه، وانحيازا لأهل عقيدته.
هكذا فصل القرآن الكريم في أصول العلاقات بين المسلمين وغيرهم وعلى هدي هذه الآيات ينبغي النظر إلى تنظيم هذه العلاقات وتقويم ما كان منه في تاريخنا وتراثنا، وتوجيه ما يكون في حاضرنا ومستقبلنا.
فكيف صنعت السنة؟
الثاني: صنيع النبوة:
كان أول لقاء بين الإسلام - الدولة - وبين غير المسلمين المواطنين في دولة إسلامية هو الذي حدث في المدينة المنورة غداة الهجرة النبوية إليها.
وكان لا بد للدولة من نظام يرجع أهلها إليه، وتتقيد سلطاتها به (دستور).
عندئذ كتبت بأمر الرسول -ﷺ- الوثيقة السياسية الإسلامية الأولى المعروفة تاريخيا باسم: وثيقة المدينة، أو صحيفة المدينة، أو كتاب النبي -ﷺ- إلى أهل المدينة، أو كما يسميها المعاصرون: دستور المدينة.
وفي هذه الوثيقة نقرأ أنها:
- كتاب من محمد النبي رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم؛
- أنهم أمة من دون الناس؛
- وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
- وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن.
- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
- وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم.
- وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
- وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
- وأن لبني الشُطَيْبة مثل ما ليهود بني عوف. وأن البر دون الإثم.
- وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.
فهذه تسع قبائل، أو تجمعات، يهودية، تنص الوثيقة عليها وتقرر لهم مثل ما ليهود بني عوف، وتضيف إلى ذلك أن مواليهم وبطانتهم كأنفسهم.
-وتقرر الوثيقة النبوية أن بينهم النصح -هم والمسلمون- على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصر والنصيحة، والبر دون الإثم، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره (أي الله شاهد ووكيل على ما تم الاتفاق عليه).
وهذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين.
ويجب أن نقرن إلى هذه النصوص – التي طبقت بالفعل حتى نقض اليهود وعدهم وخانوا رسول الله ﷺ – فحاربهم، التوجيهات النبوية:
- "من آذى ذميا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة".
- "من آذى ذميا فقد أذاني، ومن أذاني فقد آذى الله".
- "من قتل معاهدا (أي ذميا) لم يرح ريحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما"
ولا شك في أن الأحكام النبوية الخاصة بمعاملة غير المسلمين يجب أن تتخذ معيارا للحكم على الآراء الفقهية المختلفة في هذا الخصوص، فما وافق هذه الأحكام من اجتهاد للفقهاء جاز لنا أن نأخذ به – إن حقق المصلحة في عصرنا – وما تعارض معها أوتناقض فلا تثريب علينا إن طرحناه جانبا – عند الاجتهاد في تنظيم الدولة الحديثة – وأسقطناه من حسابنا.
أول عهد ذمة:
وأول عهد استعملت فيه كلمة (الذمة) هو عهد رسول الله -ﷺ- إلى أهل نجران، فقد كتب لهم:
"... ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله ﷺ، على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم... وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته... ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين...".
ونجد مثل ذلك النص في كتاب خالد بن الوليد إلى أهل الحيرة وقد أقره الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واعتبره الفقهاء - بتعبير الإمام القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة - نافذا على ما أنفذه عمر إلى يوم القيامة (النصوص، وتعليق عليها في: الخراج لأبي يوسف، ص 78و155و159).
وعقد الذمة ليس اختراعا إسلاميا، وإنما هو عقد وجده الإسلام – كما سبق القول- شائعا بين الناس، فأكسبه مشروعية بإقراره إياه، وأضاف إليه تحصينا جديدا بأن حوَّل الذمة من ذمة العاقد أو المجير إلى ذمة الله ورسوله والمؤمنين، أي ذمة الدولة الإسلامية نفسها، وبأن جعل العقد مؤبدا لا يقبل الفسخ حماية لأهل غير الإسلام من الأديان، من ظلم ظالم أو جور جائر من حكام المسلمين.
وعقد الذمة عقد مؤبد ...
وهذا العقد ينشئ حقوقًا متبادلة لكل من الطرفين: المسلمين وأهل ذمتهم، بإزاء ما عليه من واجبات.
فما هي الحقوق التي كفلها الشرع لأهل الذمة، وما واجباتهم؟
يتبع…
.