قبل أن يولد الطفل… وقبل أن تُسمَع دقّات قلبه في جهاز السونار…
هناك شيء أهم يتشكّل في صمت: الحالة النفسية للأم.
كطبيب نفسي، أستطيع أن أقول بوضوح علمي وصدق إنساني:
الأم لا تبدأ تربيتها يوم الولادة، بل تبدأ من داخلها قبل ذلك بسنوات.
لماذا نبدأ بالأم قبل الحمل؟
في العيادة، أرى نمطًا يتكرر كثيرًا:
أمهات جئن بأطفال يعانون من قلق، تشتت، غضب، أو هشاشة نفسية…
وعندما نعود خطوة للخلف، نكتشف أن الأم نفسها كانت تعيش:
• قلقًا مزمنًا لم يُعالج
• اكتئابًا مقنّعًا
• صدمات طفولة لم تُفهم
• علاقات مؤذية لم تُغلق نفسيًا
العلم اليوم لا يصف هذا على أنه “صدفة”، بل مسار نفسي عصبي قابل للانتقال عبر الأجيال.
في علم النفس نستخدم مصطلحًا واضحًا:
Intergenerational Trauma – الصدمة العابرة للأجيال
وهو مدعوم بأبحاث كثيرة تؤكد أن:
• الصدمات النفسية غير المعالجة عند الأم
• تغيّر استجابتها العصبية للضغط
• تؤثر على نمط التعلّق، والتنظيم العاطفي، والشعور بالأمان
• وتنعكس لاحقًا على الطفل، حتى دون وعي أو قصد
دراسة منشورة في American Journal of Psychiatry أوضحت أن الأطفال قد يُظهرون استجابات قلق أعلى عندما تكون الأم عانت من صدمات نفسية غير معالجة، حتى قبل الحمل بسنوات.
هنا الطفل لا يرث الصدمة كذكرى… بل كطريقة استجابة للعالم.
الجهاز العصبي للأم هو “البيئة الأولى” للطفل
حتى قبل الحمل، الجهاز العصبي للأم هو الذي سيحدد:
• كيف تتعامل مع التوتر
• كيف تهدأ
• كيف تطمئن
• وكيف تستجيب للخوف أو الضغط
هذه الأنماط تصبح لاحقًا القالب الذي يتشكّل فيه أمان الطفل النفسي.
الأبحاث في مجال Neurobiology of Stress تؤكد أن التعرض المزمن للضغط النفسي يغيّر من تنظيم هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وهو ما ينعكس لاحقًا على التفاعل العاطفي مع الطفل.
لذلك شفاء الأم ليس رفاهية… بل وقاية نفسية
واحدة من أكبر الخرافات الشائعة:
“لما أخلّف هتتصلّح نفسيتي”
الحقيقة العلمية تقول العكس:
الأم التي تدخل الأمومة وهي مثقلة نفسيًا، تدخلها بقدرة أقل على الاحتواء، لا لأنها سيئة… بل لأنها مُنهكة.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الصحة النفسية للمرأة قبل الحمل وأثناءه عامل أساسي في صحة الطفل النفسية طويلة المدى.
ماذا يعني أن تستعد المرأة نفسيًا للأمومة؟
لا يعني:
• أن تكون مثالية
• أو بلا أخطاء
• أو بلا مشاعر سلبية
بل يعني:
• أن تعترف بما بداخلها
• أن تفهم تاريخها النفسي
• أن تعالج ما يمكن علاجه
• وأن تتوقف عن جلد ذاتها
العلاج النفسي قبل الحمل ليس علامة ضعف، بل علامة وعي ومسؤولية.
الجمعية الأمريكية لعلم النفس تشير بوضوح إلى أن الدعم النفسي المبكر للنساء يقلل من اضطرابات ما بعد الولادة ويُحسّن جودة التعلّق بالأطفال.
رسالة أخيرة لكل امرأة تفكّر في الأمومة
أنتِ لستِ مطالبة بأن تكوني “أمًا كاملة”…
لكن من حق طفلك أن تأتيه أمٌ واعية بذاتها.
ومن حقك أنتِ أيضًا أن:
• تُشْفَي
• تُفْهَمي
• وتُحْتَضَني نفسيًّا
قبل أن تطلبي من نفسك احتضان إنسان آخر.
المقال القادم إن شاء الله سنتحدث عن:
الصحة النفسية أثناء الحمل: ما الذي يشعر به الجنين نفسيًا؟ وهل التوتر والحزن يؤثران فعلًا؟
.
د. صلاح جلال
استشاري الطب النفسي وعلم النفس التربوي
باحث في علم النفس الإسلامي