المربي

قصة صاحب النقب والعمل الخفي

قصة صاحب النقب والعمل الخفي

في إحدى المعارك، عجز جيش المسلمين بقيادة مسلمة بن عبد الملك عن اقتحام حصن العدوّ؛ حتى تمكّن رجلٌ واحدٌ وحده من إحداث نقبٍ في الحصن، فدخل منه المسلمون وحسموا المعركة. وبعدها، أراد القائد أن يكرّم صاحب هذا الفعل العظيم؛ فسأل عنه، فلم يتقدّم أحد. وألحّ مسلمة في السؤال: من صاحب النقب؟ حتى قال رجل: "أنا هو"، لكنه اشترط ألّا يُعرَف اسمه ولا يُكشَف أمره.

فقال مسلمة: فذاك له. وظلّ الرجل مجهولًا؛ فلم يُدوَّن اسمه في كتب التاريخ رغم أن فعله غيّر مجرى معركة. ومنذ تلك اللحظة، كان مسلمة لا يصلّي بعدها إلا قال: اللهم اجعلني يوم القيامة مع صاحب النقّب.

 

لماذا أراد أن يبقى مجهولًا؟

لم يكن الرجل يجهل قدر فعله؛ فهو يعلم تمامًا أنه أنقذ الجيش. لكنّه آثر ألّا يُعرف، لأنه لم يعمل لأجل أن يُعرف. فأعزّ ما يملكه الصادقون هو ذلك الجندي المجهول الذي يبذل أقصى ما في جهده، وينفق أكثر ما في جيبه، ويضحّي بأحلى أوقاته؛ فإذا حضر لم يُعرَف، وإذا غاب لم يُفتقَد.

وهذا وصفٌ دقيق يستحقّ التأمّل: إذا حضر لم يُعرف -أي أن حضوره لا يُصاحَب بإعلانٍ عن نفسه ولا سعيٍ للظهور؛ وإذا غاب لم يُفتقَد- أي أن عمله لم يكن معلَّقًا بشخصه بحيث يتوقّف كلّ شيء بغيابه، بل كان جزءًا من نسيجٍ أكبر يستمرّ.

 

"كن في الدنيا كأنك غريب"

وقد أرسى النبي -ﷺ- هذا المعنى حين أوصى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: "يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب". والغريب -كما يُفهم من الوصف- مجهول العين في الأغلب، فلا يُؤبَه لصلاحه فيُكرَم من أجله ويُبجَّل. فمن لزم هذا الوصف، عمل لله لا للناس، وارتاح من عبء أن يُلاحظه أحد أو يُثني عليه أحد.

 

ماذا يعني هذا للمربي؟

أن يعمل حين لا يراه أحد كما يعمل حين يُرى. فكثيرٌ من المربّين يتقنون حين يُلاحَظون، ويتراخون حين يظنّون أن لا أحد ينتبه. أمّا من تشرّب معنى "صاحب النقب"، فإتقانه واحدٌ في الحالين؛ لأنه لا يعمل للعيون أصلًا.

ألّا يُقلق باله انتظار الشكر. فكم من مربٍّ يُتعب نفسه بانتظار أن يُقدَّر جهده أو يُذكر فضله؛ فإذا لم يحدث، أصابه إحباطٌ يُضعف عطاءه. أمّا من عمل لله، فلا ينتظر شكرًا من مخلوق، فلا يخيب له انتظار.

أن يفرح بنجاح العمل ولو نُسِب لغيره. فصاحب النقب لم يمانع أن يظلّ الفضل غير معروفٍ اسمُه، ما دامت المعركة قد حُسمت. والمربي الحقّ يفرح بنجاح متعلّميه ولو ظنّ الناس أنهم بلغوا ما بلغوا بأنفسهم؛ فحسبه أنه يعلم، وحسبه أن الله يعلم.

أن يبني عملًا لا يتوقّف بغيابه. فحين لا تتعلّق منظومتك بظهورك الدائم، بل ببنائك أشخاصًا وأنظمة تعمل، يستمرّ الخير ولو غبتَ أنت.

 

وما الذي يمنعنا عن هذا؟

يمنعنا الشعور الخفيّ بأننا نستحقّ أن يُعرَف فضلنا، وأن يُذكر اسمنا، وأن يُشار إلينا. وهذا الشعور طبيعيّ في النفس، لكنه -إن تُرك بلا مجاهدة- يتحوّل إلى معيارٍ خفيّ نقيس به رضانا عن عملنا: أرضى إن ذُكرت، وأضجر إن نُسيت. والمجاهدة أن نُبقي رضانا معلَّقًا بأمرٍ واحد: هل عملنا لله أم لا؟ فإن كان الجواب نعم، فلا يضرّنا أن يُنسب الفضل لغيرنا، ولا أن يخفى اسمنا.

 

خاتمة

اسأل نفسك: هل تعمل كصاحب النقب -تبذل ولا تنتظر أن يُعرَف اسمك، وترضى أن يُنسب الفضل لغيرك ما دام الخير قد حصل؟ فتلك مرتبةٌ لا يبلغها إلا من عمل لله وحده. وكن في دنياك كأنك غريب؛ فالغريب لا يشغله أن يُذكر، بل يشغله أن يصل إلى بلده سالمًا. اللهم اجعلنا مع صاحب النقب.

 

 

اقرأ أيضًا: وقتك وصحتك ومالك نِعَم والفوضى إضاعة لها لا حرية

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم