الأسرة

ملــف أولادنــا

امرأة دخلت النار في هِرّة ورجل دخل الجنة في كلب

امرأة دخلت النار في هِرّة ورجل دخل الجنة في كلب

حين نربّي أبناءنا على الرحمة، ينصرف تفكيرنا عادةً إلى رحمة الناس: الفقير، واليتيم، والمسكين. وهذا صحيح وضروري. لكنّ الإسلام مدّ دائرة الرحمة إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فقد قرّر النبي ﷺ عواطف الرحمة حتى مع الحيوان، وجعلها بابًا من أبواب الجنة أو النار.

 

قصّتان تُختصران فيهما الرسالة

أبواب الجنة تُفتح لرجلٍ سقى كلبًا. فقد رأى رجلٌ في سفره كلبًا يلهث من العطش الشديد حتى كاد يموت، فنزل بئرًا وملأ خفّه ماءً وسقاه، فشكر الله له ذلك وغفر له. فسُئل النبي ﷺ: يا رسول الله، وإنّ لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: "نعم، في كلّ ذات كبدٍ رطبة أجر" (رواه البخاري).

وتبتلع الجحيم امرأةً حبست هرّة. فقد عُذّبت امرأةٌ في النار بسبب هرّةٍ حبستها حتى ماتت جوعًا؛ "لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (متفق عليه).

فتأمّل: عملٌ واحدٌ صغير — سقيُ حيوانٍ ظمآن — أدخل الجنة؛ وإهمالٌ واحدٌ صغير — حبسُ حيوانٍ عن طعامه — أدخل النار. فأيّ ميزانٍ هذا الذي يزن رحمتك حتى بأضعف مخلوقٍ لا يتكلّم ولا يشتكي؟

 

لماذا هذا الميزان الدقيق؟

لأن الرحمة خُلقٌ واحد لا يتجزّأ؛ فمن قسا على الحيوان الذي لا حيلة له، فقلبه أقرب إلى القسوة على الضعيف من بني آدم إذا لم يجد من يردعه. ومن رقّ قلبه حتى رحم كلبًا عطشان، فقلبه أرقّ وأقرب إلى رحمة كلّ ضعيف. فهذه المشاعر هي التي تفيض على صاحبها أفضل معاني الإنسانية.

والرحمة بالحيوان اختبارٌ نقيّ لخُلق الرحمة؛ لأن الحيوان لا يستطيع أن يردّ لك جميلًا يُذكر، ولا أن يشكوك إن قسوتَ عليه أمام الناس. فمعاملتك له تكشف رحمتك حين لا ينتظر منها أحدٌ مقابلًا ولا يراقبها أحد.

 

كيف نغرس هذا الخُلق في أبنائنا؟

احكِ لهم القصّتين مبكرًا. فالقصص المحسوسة تصل إلى قلب الطفل أسرع من أيّ موعظة مجرّدة؛ فحين يسمع عن الرجل الذي سقى الكلب والمرأة التي حبست الهرّة، يفهم الميزان بصورةٍ لا ينساها.

دعهم يشاركون في إطعام حيوانٍ أو رعايته. فإن كان في بيتكم حيوانٌ أليف، أشركوا الأبناء في إطعامه وسقيه وتنظيف مكانه؛ فالمسؤولية العملية تربّي الرحمة أكثر من ألف موعظة عنها.

صحّحوا لهم فورًا أيّ قسوةٍ تجاه مخلوق. فإن رأيتم طفلًا يؤذي حيوانًا -قطًّا في الشارع أو حشرةً صغيرة- فلا تمرّوا على ذلك؛ بل بيّنوا له فورًا أن هذا يغضب الله، وأن هذا المخلوق يتألّم كما يتألّم هو.

علّموهم أن الرحمة لا تنتظر مقابلًا. فالكلب الذي سُقي لم يكن يملك أن يشكر ساقيه؛ فعلّموا أبناءكم أن الرحمة الحقيقية تُبذَل ولو لم يُرَ فضلها ولم يُشكَر صاحبها.

اربطوا بين رحمة الحيوان ورحمة الناس. فمن رحم الضعيف من المخلوقات، فليعلم أن هذا تدريبٌ لقلبه على رحمة الضعيف من الناس: الفقير، والمسكين، والغريب. فالرحمة الشاملة تبدأ من أصغر دائرةٍ وتتّسع.

 

خاتمة

الرحمة التي يريدها الإسلام رحمةٌ لا تتوقّف عند حدود بني آدم؛ فمن رحم كلبًا ظمآن، فقد فتح لنفسه بابًا إلى الجنة، ومن قسا على هرّةٍ محبوسة، فقد فتح على نفسه بابًا إلى النار. فربِّ أبناءك على هذه الرحمة الشاملة؛ فمن رقّ قلبه لأضعف المخلوقات، رقّ قلبه لأضعف الناس، وذلك هو الخُلق الذي أراده منّا نبيّنا صلى الله عليه وسلم.

 

 

اقرأ أيضًا: بين عطاء الفائض وعطاء المحبوب

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم