من السهل أن نُعطي ما لا نحتاجه: ثوبًا لم نعد نلبسه، أو طعامًا فاض عن حاجتنا، أو وقتًا لا نعرف كيف نقضيه. وهذا خيرٌ لا شكّ فيه. لكنّ القرآن الكريم رفع سقف العطاء إلى درجةٍ أعلى بكثير حين وصف الأبرار:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]. فهم لم يطعموا ممّا فضل، بل على حبّه؛ أي وهم يحبّون هذا الطعام ويحتاجونه، فآثروا به غيرهم.
وهي تصوّر شعور البرّ والعطف والخير ممثَّلًا في إطعام الطعام مع حبّه بسبب الحاجة إليه. فهذا هو الفارق الدقيق بين البذل العادي والإيثار الحقيقي: الأوّل أن تعطي ما لا تريده، والثاني أن تعطي ما تريده أنت نفسك.
درجةٌ أعلى في السخاء
فكّر في الفرق بين طفلٍ يعطي أخاه لعبةً لم يعد يلعب بها، وطفلٍ يعطيه اللعبة التي كان يلعب بها للتوّ لأنه رأى أخاه يريدها أكثر. الأوّل كرمٌ، والثاني إيثار. وهذا بالضبط ما وصفه القرآن؛ فالمسكين واليتيم والأسير -وهم في أشدّ الحاجة- أُعطوا طعامًا كان المُعطي نفسه يحبّه ويحتاجه.
وسرّ هذا العطاء
ثم يكشف القرآن سرّ هذا البذل العظيم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، تتّجه إلى الله تطلب رضاه، ولا تبتغي بها جزاءً من الخلق ولا شكرًا، ولا تقصد بها استعلاءً على المحتاجين ولا خيلاء.
فتأمّل هذا الشرط الدقيق: لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا، حتى الشكر! فهم لم يمنّوا على من أطعموهم بكلمة شكرٍ ينتظرونها؛ بل أعطوا وكأنهم لم يعطوا شيئًا. وهذه أعلى درجات النقاء في العطاء: أن يخلو من انتظار أيّ مقابل، حتى ولو كان مجرّد "شكرًا لك".
كيف نربّي أبناءنا على هذا؟
اطلب منهم أحيانًا أن يعطوا ما يحبّون لا ما يفيض عنهم. فحين تجمعون الصدقات أو الملابس للمحتاجين، لا تكتفِ بأن يخرج ابنك ما لم يعد يستعمله؛ بل اسأله أحيانًا: ما أحبّ شيءٍ عندك يمكن أن تعطيه؟ فالدرس الذي يتعلّمه من هذا السؤال أعمق بكثير من درس "أخرجوا ما لا تحتاجونه".
علّمهم ألّا ينتظروا حتى الشكر. فإذا أعطى ابنك أحدًا شيئًا، فلا تدعه يتضايق إن لم يُشكر عليه؛ بل علّمه أن العطاء الحقيقي لا يبحث عن مقابل، ولو كان كلمةً.
احكِ لهم قصص الإيثار. كالأنصار الذين آثروا المهاجرين على أنفسهم، وكصور الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم يتنازلون عن الماء لبعضهم في أشدّ لحظات العطش حتى مات آخرهم ولم يشرب أحد. فالنماذج الحيّة تصنع في نفس الطفل ما لا تصنعه المواعظ المجرّدة.
اربطوا العطاء بوجه الله لا بنظرة الناس. فعلّموهم أن يخفوا بعض عطاياهم أحيانًا؛ فمن تعوّد أن يُعلن كلّ عطاءٍ ليُرى، لم يبلغ هذه الدرجة العالية من الإخلاص.
لا تستكثروا على أبنائكم هذا المستوى. فقد يظنّ بعضنا أن هذا مقامٌ لا يُطلب من الأطفال؛ والحقيقة أن التربية على المبدأ تبدأ صغيرة لتترسّخ كبيرة. فمن تعوّد الإيثار في لعبةٍ صغيرة، سهل عليه الإيثار في أمورٍ أكبر حين يكبر.
خاتمة
بين أن تعطي ممّا فاض عنك، وأن تعطي ما تحبّه أنت، مسافةٌ كبيرة في ميزان الإيمان. فربِّ أبناءك على الدرجة العليا: أن يعطوا وهم يحبّون ما يعطونه، وألّا ينتظروا جزاءً ولا شكرًا. فتلك هي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة التي أثنى الله عليها في كتابه، ووعدها بجنّةٍ لا يخالطها كدر.
اقرأ أيضًا: حين وازن سلمان -رضي الله عنه- بين العبادة والزوجة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.