كلنا نردد "إنما المؤمنون إخوة"، لكن القليل منا يسأل نفسه: في أي مرتبة من هذه الإخوة أقف أنا؟ فالإخوة في الله ليست شعورًا واحدًا مسطحًا، بل سلّم له درجات: أدناها سلامة الصدر، وأعلاها الإيثار. وبين الدرجتين مسافة عمرٍ من المجاهدة، يقطعها قوم في سنوات، ويقف آخرون عند عتبتها الأولى دهرًا وهم يحسبون أنهم بلغوا القمة.
وسلامة الصدر ــ وهي الحد الأدنى ــ ليست أمرًا هينًا كما يُظن؛ فهي أن تلقى أخاك وليس في قلبك عليه غلٌّ ولا حسد ولا حساب قديم، وأن تفرح لنعمته كما تفرح لنعمتك، وأن تنام وقد عفوت عمن أخطأ في حقك ذلك اليوم. وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار بالجنة ثلاث مرات، فلما تتبعه عبد الله بن عمرو ليعرف سر مقامه، لم يجد كثير صلاة ولا صيام، فلما سأله قال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك.
ولماذا هي شأن المربي خاصة؟
لأن التربية عملٌ جماعي بطبيعته؛ فالمربي لا يعمل وحده أبدًا: معه زملاء في المدرسة، وشركاء في المسجد أو المؤسسة، وإخوة في حقل الدعوة والتعليم. وأخطر ما يصيب هذا العمل ليس ضعف الإمكانات ولا قلة الكفاءات، بل فساد ذات البين؛ فما تنازع فريق تربوي وتشاحن أفراده إلا ذهبت ريحهم وضاع أثرهم، مهما بلغ علمهم، لأن المتربين يرون الشقاق قبل أن يسمعوا الدروس، ويتشربون العلاقات قبل المناهج. فالإخوة الصادقة بين المربين ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي البيئة التي لا تنبت التربية إلا فيها؛ وقد وصف الإمام البنا رحمه الله هذه الرابطة بأنها سر القوة وعماد النجاح.
تصحيح خلط شائع
وهنا لا بد من تصحيح خلط يقع فيه كثير من العاملين: الخلط بين الإخوة في الدين وبين الأطر والكيانات التي يعملون داخلها. فالإخوة الإيمانية أصل ثابت يشمل كل مسلم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أما الأطر والمؤسسات والجماعات فوسائل متغيرة واجتهادات بشرية. ومن هنا تنشأ آفتان متقابلتان: قومٌ يظنون أن أخوّتهم لا تتجاوز من يعمل معهم في إطارهم، فإذا غادر أحدٌ صفّهم أو خالفهم في اجتهاد، انقلبت الأخوّة عداوةً وطعنًا وبهتانًا — وهذا هدم لأصل ثابت لأجل متغير. وقومٌ يهدمون بحجة الأخوّة كلَّ عمل منظم قائلين: نحن إخوة ولا حاجة للنظام — والحق أن الأخوّة رابطة القلوب، والنظام ترتيب العمل، ولا تعارض بين قلوب متحابة وصفوف منظمة.
كيف نرتقي في سلّم الإخوة؟
ابدأ من تفقّد قلبك ليلًا. قبل نومك اسأل: هل في صدري شيء على أحد؟ فإن وجدت، فادعُ له بظهر الغيب حتى يذوب ما تجد؛ فالدعاء للمحسود والمخاصَم أنجع دواء لعلل الصدور.
ترجم الشعور إلى فعل. الإخوة التي لا تغادر القلب إلى السلوك تذبل؛ فتفقّدٌ عند الغياب، وهدية بلا مناسبة، ونصرة عند الحاجة، وستر عند الزلة — هذه غذاء الرابطة.
قدّم النصيحة بأدبها واقبلها برحابة. فالنصيحة سرًّا كرامة، وعلنًا فضيحة؛ ومن نصح أخاه على رؤوس الأشهاد فقد شان لا زان.
درّب نفسك على الإيثار في الصغائر. أن تقدّم زميلك لفرصة تستحقها، وأن تُظهر فضل أخيك فيما شاركته فيه — هذه تمارين القمة، وبها بلغ الأنصار قول الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[الحشر: 9].
خاتمة
سلامة الصدر بابُ السلّم، والإيثار ذروته، وبينهما يرتقي المربي درجةً كلما جاهد نفسه في أخيه. ومن أراد أن يعرف حظه من الإخوة فلينظر: أين قلبه حين يُذكر أخوه بخير، وأين لسانه حين يُذكر بشر؟ فهناك ــ لا في الشعارات ــ يتحدد موضعك من السلّم.
اقرأ أيضًا: التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمه | القدوة قبل الكلمة: كيف يربّي المربي بحاله لا بمقاله؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.