مقالات تربوية

العملات الرقمية والهوية

العملات الرقمية والهوية

قبل عقدٍ واحد فقط كان الحديث عن عملة لا تصدرها دولة ولا يضمنها بنك مركزي يبدو ضربًا من الخيال. أما اليوم فقد تجاوزت قيمة العملات الرقمية تريليونات الدولارات، ودخلت في محافظ ملايين البشر حول العالم، بينهم شباب مسلمون يبحثون عن الثراء السريع، أو عن بديل يتحررون به من قيود النظام المالي التقليدي الذي يرون فيه ربًا صريحًا وظلمًا بيّنًا.

وهنا يقف المسلم أمام مفترق طرق حقيقي فمن جهة هذا العالم الرقمي الجديد يعد بالتحرر من هيمنة البنوك الربوية، وبفرص استثمارية لم تكن متاحة من قبل. ومن جهة أخرى تكتنفه مخاطر جسيمة من الغرر الشديد والمضاربة العمياء وغياب أي ضابط شرعي واضح، حتى غدا كثير من المتعاملين فيه يجرون وراء الربح دون أن يسألوا يومًا هل هذا حلال أصلًا؟

والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يحافظ المسلم على هويته المالية الإسلامية وهو يخوض غمار هذا الفضاء الجديد الذي لا حدود جغرافية له ولا سلطة مركزية تحكمه؟ هل الانخراط فيه ذوبان في منظومة غربية بحتة أم يمكن أن يتحول إلى ساحة يُثبت فيها المسلم حضوره بقيمه الخاصة؟

هذا ما يحاول هذا المقال أن يجيب عنه بعيدًا عن التهويل الذي يرى في كل جديد شرًا، وبعيدًا أيضًا عن الانبهار الذي يبرر كل شيء باسم مواكبة العصر.

 

بين الحلال والحرام أين تقف؟

إذا سألت عشرة أشخاص عن حكم العملات الرقمية فقد تحصل على عشر إجابات مختلفة لأن المسألة جديدة كل الجدة، ولم يعاصرها أحد من فقهائنا الأوائل ليتركوا لنا فيها كلامًا صريحًا.

فبعض العلماء ينظر إلى هذه العملات فيرى فيها مقامرة مقنّعة قيمة تقفز وتهبط في ساعات دون سبب حقيقي، وسوقًا يجهل فيه أغلب المتعاملين ما يشترون بالضبط، وبيئة صارت ملاذًا آمنًا لغسيل الأموال والاحتيال. وهؤلاء يقولون إذا كان الشك يكتنف الأمر من كل جانب فالأولى تركه.

وعلى الجانب الآخر يقول فريق آخر أليست العملة الورقية نفسها لا تساوي شيئًا في ذاتها؟ إنما قيمتها في قبول الناس لها وتداولهم بها، وهذا بالضبط ما تحقق في بعض العملات الرقمية. فلماذا نتشدد هنا ونتساهل هناك؟

والحقيقة أن العملات الرقمية ليست كلها شيئًا واحدًا

فالبيتكوين مثلاً صار فعلاً وسيلة يشتري بها بعض الناس قهوتهم وسياراتهم في بعض الدول رغم قلة المتعاملين به. وهناك العملات المستقرة مثل USDT وUSDC المربوطة بالدولار، أو PAXG المربوطة بالذهب الحقيقي، وهي عملات نادرًا ما تتقلب قيمتها لأنها تمثل مالاً حقيقيًا محفوظًا في خزينة أو بنك، فهي أقرب إلى محفظة إلكترونية لعملة حقيقية منها إلى عملة قائمة بذاتها - مع الحذر من نوع يشبهها بالاسم لا بالمضمون، هو العملات الخوارزمية التي لا يسندها احتياطي حقيقي، وقد انهار أشهرها بالكامل عام 2022.

أما العملات التي تُطلق بأسماء طريفة أو صور كلاب ضاحكة ويتضاعف سعرها في أيام ثم يتبخر في ساعات، فهذه ليست عملة بأي معنى إنما هي ورقة يانصيب تُمرَّر من يد إلى يد أملًا ألا تكون أنت من يحملها عند انفجار الفقاعة. وهناك أيضًا الرموز غير القابلة للاستبدال حيث دفع أحدهم ملايين الدولارات ثمن ملف صورة يمكن لأي أحد تحميله مجانًا وهي ليست عملة بأي معنى.

 

حين يذوب الأنا في صخب السوق

ادخل إلى أي مجموعة نقاش حول العملات الرقمية وستلاحظ ظاهرة لافتة: يتحد الحديث كله في لغة واحدة عابرة للأديان والجنسيات والثقافات، لغة الشارت والقمة والقاع ومتى أبيع. تذوب فيها القيم والدين والعقل جميعًا أمام سؤال واحد يلتهم كل ما عداه: كم سيرتفع السعر غدًا؟

وهنا تكمن أزمة الهوية بعينها، فحين يدخل المسلم هذا العالم تنتظره تجربة قادرة على انتزاع كل ما يميزه دون أن يشعر، فيتحول تدريجيًا إلى نسخة طبق الأصل من أي مضارب آخر في أي بقعة من العالم- نفس القلق، ونفس الجشع، ونفس السهر أمام الشاشة، يراقب رقمًا أخضر أو أحمر يتحكم في مزاجه كله، فالمسلم الذي كان يردد بالأمس أن القناعة كنز لا يفنى يجد نفسه اليوم يسهر الليالي من أجل نقاط إضافية في منحنى متقلب، والذي كان يعرف يقينًا أن المال وسيلة إلى غاية أسمى يتحدث عن ثروته الرقمية بالنبرة نفسها التي يتحدث بها عن قيمة وجوده وقدره بين الناس.

وفي المقابل يقف طراز آخر من الناس دخلوا هذا الفضاء بهويتهم كاملة معهم واستخدموه أداة طيّعة في أيديهم وفرّقوا بوضوح بين فضول التجربة وإدمان المتابعة، ووضعوا لأنفسهم سقفًا واضحًا يقفون عنده مهما أغرتهم الأرقام الصاعدة، وظلوا يسألون أنفسهم قبل كل خطوة: هل هذا مما يرضي الله عني أم مجرد جري خلف سراب لامع؟

فالخيط الفاصل بين الفريقين هو الإنسان نفسه، لا الأداة التي يستخدمها، من يحمل بوصلته معه إلى هذا العالم الجديد يظل ماسكًا بزمام قراره فيه، ومن يتركها عند الباب يسير حيث يسير الجميع تائهًا بينهم دون أن يدري.

وهذا بالضبط ما يجب أن يعيه كل من يفكر في خوض هذه التجربة.

 

المخاطر التي لا يخبرك بها أحد

يروّج بعضهم للعملات الرقمية بصورة واحدة: شاب استثمر ألف دولار فأصبح مليونيرًا ويُخفي الصورة المقابلة: شاب باع سيارته واستدان ليستثمر في عملة لا تخسر فاستيقظ بعد أسبوعين ليجد نصف ماله قد تبخر.

فأول التحديات غرر فاحش سوق تتغير فيه القيمة عشرات بالمئة في يوم واحد لمجرد تغريدة أو شائعة، فأنت هنا تراهن أكثر مما تستثمر. وثانيها غياب أي جهة تحاسب أحدًا فحين تُسرق محفظتك أو تنهار منصة تداول تبقى وحيدًا أمام خسارة نهائية. وثالثها أخلاقي حيث أصبحت هذه العملات بحكم صعوبة تتبعها وسيلة مفضلة لغسل الأموال، فتصبح جزءًا من منظومة يصعب التأكد من نظافتها.

أما الأخطر فهو الأثر النفسي الصامت، فالمتابعة اللحظية لسعر متقلب تصنع إدمانًا يشبه إدمان المقامرة، ترقبًا وقلقًا وحاجة ملحة لفتح التطبيق كل دقائق، وكثيرون دخلوا هذا العالم بمزاج هادئ وخرجوا منه وقد سُرقت منهم راحة بالهم لأشهر بغض النظر عن ربحهم أو خسارتهم.

فتحديات هذا العالم تتجاوز المال إلى القلب والعقل، ويبقى مع ذلك وجه آخر للصورة يستحق الوقوف عنده.

 

حين تتحول التقنية نفسها إلى فرصة

فالتقنية التي تقف خلف هذه العملات وتسمى سلسلة الكتل تحمل قيمًا نادى بها الاقتصاد الإسلامي طويلاً دون أداة عملية لها، شفافية كاملة تتيح تتبع كل معاملة بدقة واستحالة عملية للتلاعب بعد تسجيلها.

فيمكن توظيف هذه التقنية في بناء أدوات مالية إسلامية أكثر نزاهة، صندوق زكاة رقمي يتتبع فيه المتبرع لحظيًا وجهة ماله من يده إلى يد المحتاج دون وسيط، أو عقود مضاربة وشراكة يوثقها النظام تلقائيًا بشروطها الشرعية بمنأى عن تلاعب أي طرف.

وقد بدأت بالفعل مؤسسات مالية إسلامية حول العالم تجارب جادة في هذا الاتجاه، عملات رقمية مستقرة مربوطة بالذهب الحقيقي مثل "ون جرام" (OneGram) الإماراتية التي أطلقت عام 2017 عملة رقمية يمثل كل وحدة منها غرام ذهب فعلي مخزّن في خزائن حقيقية، ومنصات تمويل جماعي إسلامي تضمن وصول الأموال بشفافية كاملة مثل "بلوسم فاينانس" (Blossom Finance)  في إندونيسيا، وأدوات لتتبع مصدر الأموال والتأكد من خلوها من الحرام.

والفرصة الحقيقية هنا تكمن في سؤال مختلف هو بدل كيف أربح من هذا السوق؟ يسأل صاحب رأس المال والرؤية كيف أستخدم هذه الأداة لأخدم بها قيمي؟ ففي هذا المجال البكر متسع لابتكار حلول مالية إسلامية أصيلة.

والفرق بين من يخسر في هذا العالم ومن يستفيد منه غالبًا هو السؤال الذي يحمله كل منهما في ذهنه قبل أن يضغط أي زر، 

وهذا يقودنا إلى السؤال العملي الأهم: كيف تترجم كل ما سبق إلى قرار واعٍ في حياتك أنت تحديدًا؟

 

قبل أن تضغط شراء أسئلة لا تتجاوزها

كل ما سبق يبقى نظريًا ما لم يتحول إلى قرار في تلك اللحظة التي تقف فيها أمام الشاشة وإصبعك على زر شراء. فماذا تسأل نفسك حينها؟

ماذا أملك بالضبط؟ ابحث هل هذه عملة يتداولها الناس فعلاً أم مجرد ورقة مضاربة صعدت لأن مشهورًا غرّد عنها. فالجهل بطبيعة ما تشتريه أول أبواب الندم.

هل سألت أهل الفتوى عن هذا الشيئ بعينه وليس عن العملات الرقمية عمومًا؟ فالحكم يختلف باختلاف كل عملة، والفتوى العامة لا تغني عن السؤال الخاص.

والسؤال المهم هل هذا المبلغ أتحمل خسارته كاملاً دون أن يمس قوتي أو التزاماتي تجاه أسرتي؟ فالقاعدة الذهبية لا تضع في هذا الباب إلا ما لو ذهب كله نمت الليلة بضمير مرتاح، لأن من يستدين ليستثمر في سوق بهذا التقلب يخاطر بأمانين مال غيره ومصير نفسه.

ضع سقفًا زمنيًا ورقميًا قبل أن تبدأ، وحدد سلفًا متى تبيع وتتوقف، فقرار تتخذه بهدوء اليوم أفضل من قرار تتخذه وقلبك يخفق أمام الشاشة.

وأخيرًا راقب نفسك قبل السوق فإن وجدت نفسك تفتح التطبيق كل ساعة وتضيق عند الانخفاض وتنتشي عند الارتفاع فالمشكلة صارت تمس سكينة قلبك، وحينها القرار الحكيم هو الخروج فورًا.

هذه المعايير قد لا تضمن لك الربح لكنها تجعلك إنسانًا واعيًا يملك زمام قراره لا صخبًا يسيّره غيره.

وفي الختام لم تكن رحلتنا في هذا المقال بحثًا عن حكم قاطع بحلال أو حرام  إنما عن سؤال أعمق: كيف يحافظ الإنسان على نفسه وهو يعبر جسرًا جديدًا يُشيَّد تحت قدميه كل يوم؟

فالعملات الرقمية جزء من مشهد اقتصادي سيزداد حضورًا. والمسلم الواعي هو من يدخل هذا العالم - إن دخله - وبوصلته كاملة معه: يسأل قبل أن يقدم، ويتحرى قبل أن يثق، ويقف حين يشعر أن قلبه مال عن مساره.

فالهوية الإسلامية في زمن الرقمنة تُقاس بالحضور دون ذوبان، وأن تستخدم التقنية ولا تستخدمك، وتحمل قيمك معك أينما ذهبت.

ويبقى السؤال الأهم: متى نصبح صانعين لأدوات تحمل بصمتنا وقيمنا إلى العالم لا مجرد مستهلكين لأدوات الآخرين؟

 

 

 

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم