مقالات تربوية

قراءة في الصراع الأمريكي الإيراني ومستجدات غزة وفلسطين ورسالة التربية والوعي ودور الأمة

قراءة في الصراع الأمريكي الإيراني ومستجدات غزة وفلسطين ورسالة التربية والوعي ودور الأمة

نفحات الجمعة:
حين يهتز العالم وتختبر أمة
قراءة في الصراع الأمريكي الإيراني، ومستجدات غزة وفلسطين، ورسالة التربية والوعي، ودور الأمة


المقدمة: الجمعة ليست يومًا للهروب من الواقع: 

في كل جمعةٍ تتجه القلوب إلى المساجد، وترتفع الأكف بالدعاء، وتُتلى سورة الكهف، ويكثر الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
لكن الجمعة ليست انفصالًا عن آلام الأمة، ولا استراحةً من مسؤوليات التاريخ.
إنها لحظةٌ لإعادة ترتيب البوصلة:
ماذا يحدث في العالم؟
ماذا يحدث في فلسطين؟
إلى أين يتجه الصراع الأمريكي–الإيراني؟
وأين يقف العالم العربي والإسلامي؟
وماذا ينبغي أن نُعلِّم أبناءنا وسط هذا المشهد المضطرب؟
العالم اليوم لا يعيش أزمةً واحدة، وإنما تتداخل أمامه أزمات الحرب والطاقة والأمن والغذاء ،والسياسة،والإعلام والهوية.
وفي الشرق الأوسط تحديدًا، أصبح الصراع الأمريكي–الإيراني عاملًا مؤثرًا في أمن المنطقة، والاقتصاد العالمي؛ فقد استمرت خلال أغسطس 2026 تداعيات الحرب، وتعطلت أو تباطأت حركة الملاحة في مضيق هرمز، وارتفعت المخاوف بشأن إمدادات الطاقة، والأسواق العالمية.
وفي غزة، ما زالت الأزمة الإنسانية شديدة القسوة، مع استمرار القيود على المساعدات وتفاقم الاحتياجات، رغم الجهود الإنسانية الدولية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل تكتفي الأمة بمشاهدة التاريخ، أم تتعلم كيف تصنع جزءًا منه؟ 


أولًا: الصراع الأمريكي الإيراني عندما تتحول المنطقة إلى ساحةٍ لصراع القوى

الصراع بين الولايات المتحدة، وإيران ليس مجرد خلافٍ ثنائي.
إنه جزء من شبكة واسعة من المصالح:
الأمن الإقليمي.
الطاقة ،والنفط.
الممرات البحرية.
النفوذ السياسي.
أمن إسرائيل.
مستقبل الخليج.
التوازنات الدولية.
العلاقة بين الولايات المتحدة، والصين وروسيا.
وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار التوتر؛ فقد أعلنت واشنطن اتجاهها إلى فرض عقوبات اقتصادية شديدة على إيران، بينما تصاعدت المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز وإمدادات الطاقة.
والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هنا:
الأمم التي لا تمتلك القوة العلمية والاقتصادية والسياسية، تجد نفسها غالبًا متأثرة بقرارات الآخرين.
قال تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[الأنفال: 60].
والقوة في عصرنا ليست عسكرية فقط.
إنها:
قوة العلم، وقوة الاقتصاد، وقوة المؤسسات، وقوة الإنسان، وقوة التكنولوجيا، وقوة الإعلام، وقوة الدبلوماسية، وقوة الوحدة. 

ثانيًا: غزة الجرح الذي لم يلتئم 

غزة ليست مجرد خبرٍ في نشرة أخبار.
غزة امتحانٌ للضمير الإنساني.
وتشير التقارير الإنسانية الأممية الحديثة إلى استمرار الاحتياجات الهائلة، والنزوح، والقيود على الوصول إلى الخدمات والمساعدات، في الوقت الذي ما زالت فيه جهود الإغاثة تواجه نقص التمويل وصعوبات الوصول.
كما أفادت اليونيسف بأن أزمة الأمن الغذائي وتغذية الأطفال ما زالت قائمة رغم وجود تحسن هش نتيجة زيادة المساعدات والحركة التجارية.
وهذا يعني أن انتهاء بعض مراحل القتال لا يعني بالضرورة انتهاء المأساة.
فالحرب تترك خلفها:
طفلًا فقد أسرته، وطالبًا فقد مدرسته، وأمًّا فقدت أبناءها، ومريضًا فقد دواءه، وأسرةً فقدت بيتها، ومجتمعًا يحتاج سنوات لإعادة بناء الإنسان قبل الحجر.
ولهذا قال القرآن الكريم:﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[المائدة: 32].
فإغاثة الإنسان ليست عملًا هامشيًا، بل قيمة حضارية. 


ثالثًا: فلسطين ليست قضية عاطفة فقط بل قضية وعي: 

من أخطر ما يمكن أن نفعله تجاه فلسطين أن نحولها إلى موسمٍ عاطفي.
نبكي حين تشتد الأحداث، ثم ننسى حين تهدأ الأخبار.
القضية تحتاج إلى:
وعي تاريخي، ووعي قانوني، ووعي سياسي، ووعي إعلامي، ووعي تربوي، ووعي إنساني.
فالجيل الجديد يجب أن يعرف فلسطين.
نريد جيلًا: يحب وطنه حبا يملأ قلبه.
يدافع عن الحق دون أن يظلم إنسانًا.
يرفض الاحتلال والعدوان.
ويكون العدل شعاره فالأخلاق في الاسلام لا تتجزأ.
قال تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 8].
وهذه الآية وحدها يمكن أن تكون منهجًا تربويًا عالميًا في زمن الحروب. 

 

رابعًا: أخطر معاركنا ليست على الأرض فقط… بل في العقول: 

الحرب الحديثة لا تستخدم الصواريخ وحدها.
هناك حرب الصورة،وحرب الرواية، وحرب المعلومات، وحرب التضليل، وحرب الخوارزميات، وحرب التأثير النفسي.
وقد يشاهد الطفل عشرات المقاطع خلال دقائق، دون أن يمتلك القدرة على التمييز بين:
الحقيقة والدعاية، والخبر والإشاعة، والتحليل والتحريض، والصورة الحقيقية والصورة المضللة.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والداعية والإعلامي.
يجب أن نربي أبناءنا على السؤال:
من قال؟
وماذا قال؟
وما دليله؟
ومتى قيل؟
ومن المستفيد؟
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[الحجرات: 6].
إنها ليست آيةً في الأخبار فقط؛ إنها منهج تربية إعلامية. 


خامسًا: الأثر التربوي للحروب على الأمة: 

الحروب لا تقتل الأجساد فقط؛ بل قد تُنتج آثارًا نفسية، وتربوية طويلة المدى.
ومن أهمها:
1) تطبيع العنف:
عندما يرى الطفل العنف بصورة متكررة، قد يصبح المشهد المأساوي مألوفًا في وجدانه.
وهنا يجب أن نعيد بناء مفهوم:
القوة ليست في القدرة على إيذاء الآخر، وإنما في القدرة على حماية الحق والإنسان.
2) فقدان الأمل:
أخطر ما يمكن أن تخسره الأمة هو الأمل.
قال تعالى:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 139].
والأمل الإسلامي ليس أمنيةً فارغة؛ بل أملٌ يعمل.
3) الانقسام:
الأزمات تكشف قوة المجتمعات أو هشاشتها.
وقد تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات اجتماعية، ثم إلى كراهية بين أبناء الأمة الواحدة.
وهنا يأتي قوله تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[الأنفال: 46].
4)صناعة الإنسان القادر:
إذا أحسنت الأمة التعامل مع أزماتها، فإنها تستطيع تحويل الألم إلى طاقة بناء:
من طفل الحرب إلى عالم.
ومن اللاجئ إلى طبيب.
ومن المأساة إلى مشروع.
ومن الركام إلى مدرسة.
وهذه هي التربية التي نحتاجها. 


سادسًا: أين الأمة العربية والإسلامية؟  

هذا هو السؤال الأصعب.
لا يكفي أن نقول:
ماذا فعل العالم؟
بل يجب أن نسأل:
ماذا نستطيع نحن أن نفعل؟
إن الأمة لا تستطيع تغيير النظام الدولي بخطاب عاطفي فقط.
ولكنها تستطيع أن تبني أوراق قوة حقيقية:.
1) الوحدة السياسية:
ليس المطلوب أن تتطابق الدول العربية والإسلامية في كل مواقفها.
لكن المطلوب أن تمتلك الحد الأدنى من التنسيق في القضايا الكبرى.
2)القوة الاقتصادية:
الثروة وحدها لا تصنع القوة.
القوة تبدأ عندما تتحول الثروة إلى:
تعليم ، صناعة ، بحث علمي ، تكنولوجيا، أمن غذائي ،استقلال معرفي.
3) القوة الإعلامية:
الأمة التي لا تملك روايتها الإعلامية ستجد الآخرين يروون قصتها نيابة عنها.
4)القوة الإنسانية:
إغاثة غزة، علاج الجرحى، دعم التعليم، إعادة بناء المؤسسات الصحية والتعليمية، ليست أعمالًا خيرية فقط؛ بل هي استثمار في الإنسان.
5) القوة العلمية:
أكبر انتصار للأمة أن تنتقل من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11].
والتغيير يبدأ من الإنسان. 

 

سابعًا: ماذا نعلِّم أبناءنا في زمن الأزمات؟ 

لا نريد طفلًا يعيش في الخوف.
ولا نريد شابًا يعيش في اللامبالاة.
ولا نريد إنسانًا يتحول غضبه إلى كراهية.
بل نريد:
إنسانًا واعيًا، رحيمًا، قويًا، عادلًا، متثبتًا، قادرًا على التفكير، ومستعدًا لخدمة وطنه وأمته والإنسانية.
علّم ابنك أن:
يتثبت قبل أن ينشر.
يحترم الإنسان مهما اختلف معه.
يرفض الظلم أيًا كان مصدره.
يتعلم التاريخ دون تعصب.
يدافع عن الحق بالحكمة.
يحول حزنه إلى عمل.
يحول غضبه إلى مشروع.
يحول تعاطفه إلى مساعدة حقيقية.
وهنا نصل إلى جوهر التربية:
لا تربِّ ابنك ليكون متفرجًا على التاريخ؛ ربِّه ليكون صانعًا للخير في التاريخ. 

 
ثامنًا: رسالة إلى الأمة: 

يا أمة العرب والإسلام…
ليس المطلوب أن نمتلك أكبر عدد من الشعارات.
بل أن نمتلك:
أكبر قدر من الوعي.
ليس المطلوب أن نبكي أكثر.
بل أن نعمل أكثر.
ليس المطلوب أن نختلف حول من يحب فلسطين أكثر.
بل أن نسأل:
من يستطيع أن يقدم لفلسطين شيئًا حقيقيًا؟
طبيب يعالج.
مهندس يعيد البناء.
باحث ينتج المعرفة.
معلم يحفظ جيلًا من الضياع.
إعلامي يحارب التضليل.
اقتصادي يبني القوة.
دبلوماسي يتحرك بحكمة.
شاب يتعلم ويبدع.
وأب وأم يربيان جيلًا لا يستسلم.
هكذا تُبنى الأمم. 
 

تاسعًا: من غزة إلى العالم درس الحضارة: 

قد يظن البعض أن القوة تعني امتلاك السلاح فقط.
لكن التاريخ يقول إن الحضارات لا تبقى بالسلاح وحده.
الحضارة تحتاج إلى:
إنسان ، علم ، أخلاق ، عدالة ،اقتصاد، مؤسسات ، رؤية.
ولهذا فإن مأساة غزة يجب ألا تكون مجرد صفحة حزينة في تاريخنا.
بل يجب أن تصبح سؤالًا حضاريًا:
لماذا كانت أمتنا مستهلكة للقوة أكثر من كونها صانعة لها؟
ولماذا نمتلك الطاقات البشرية والثروات، بينما ما زلنا نعتمد في كثير من المجالات على الآخرين؟
إن السؤال الحقيقي ليس:
متى تنتهي الحرب؟
بل:
ماذا سنفعل بعد الحرب؟  


عاشرًا: نفحة الجمعة… لا تجعلوا الألم يسرق منكم الإيمان: 

في وسط هذا المشهد القاتم، تظل رسالة الإسلام واضحة:
لا تيأسوا.
لا تظلموا.
لا تتفرقوا.
لا تكذبوا.
لا تفقدوا الرحمة.
ولا تتخلوا عن العمل.
قال تعالى:﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[الشرح: 5–6].
وقال سبحانه:﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[النساء: 104].
إنها معادلة عظيمة:
ألمٌ… ولكن معه إيمان.
خوفٌ… ولكن معه رجاء.
أزمةٌ… ولكن معها عمل.
واقعٌ صعب… ولكن معه مشروع نهضة. 


الخاتمة: الجمعة موعدٌ مع الوعي: 

إن العالم يتغير بسرعة.
والشرق الأوسط يعيش مرحلةً شديدة الحساسية، والصراع الأمريكي–الإيراني يضغط على أمن المنطقة ،والاقتصاد، والطاقة، بينما تستمر مأساة غزة واحتياجات الفلسطينيين الإنسانية، والسياسية، وسط محاولات إقليمية ودولية للتوصل إلى حلول.
لكن وسط كل ذلك يبقى السؤال الأكبر:
هل تتغير الأمة مع الأحداث، أم تتعلم كيف تصنع مستقبلها؟
إن فلسطين تحتاج إلى قلبٍ حي، ولكنها تحتاج كذلك إلى عقلٍ واعٍ.
وغزة تحتاج إلى دعاء، ولكنها تحتاج أيضًا إلى عملٍ إنساني وسياسي وعلمي وإعماري.
والأمة تحتاج إلى الوحدة، ولكنها تحتاج معها إلى العلم ،والاقتصاد ،والإنتاج، والمؤسسات.
أما التربية، فهي المعركة الأطول.
لأن من يملك عقول الأجيال يملك مفاتيح المستقبل.
فلنربِّ أبناءنا على أن:
الحق لا يحتاج إلى كراهية،
والقوة لا تحتاج إلى ظلم،
والسلام لا يعني الاستسلام،
والرحمة لا تعني الضعف،
والوطنية لا تعني التعصب،
والإيمان لا يعني العجز عن العمل.
وفي يوم الجمعة، نرفع أيدينا إلى الله ونقول:
اللهم احفظ أهلنا في غزة وفلسطين، وارحم شهداءهم، واشفِ جرحاهم، وفرِّج كربهم، واحفظهم في كل مكان.


المراجع العربية: 

١)القرآن الكريم.
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري.
٣)مسلم، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم.
4) ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم.
5)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن.
 

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم