المقدمة:
من أعظم القيم التي يرسخها القرآن الكريم في حياة المؤمن قيمة الشكر؛ فهي ليست مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هي منهج حياة يعبر عن وعي الإنسان بنعم الله، واعترافه بفضله، واستعمال تلك النعم في طاعته.
والشكر في الإسلام يمثل مفتاح دوام النعم وزيادتها، كما أنه طريق السعادة والرضا النفسي في الدنيا، وسبب عظيم للفوز برضا الله في الآخرة.
قال الله تعالى:﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم: 7].
هذه الآية الكريمة تمثل قاعدة قرآنية عظيمة في سنن الحياة؛ فالشكر يجلب الزيادة، أما الكفران فيؤدي إلى زوال النعم.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي إن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها". (ابن كثير: 1999م، ج4 ص479)
أولًا: مفهوم الشكر في الإسلام:
الشكر في اللغة هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف.
أما في المفهوم الشرعي فهو أعمق وأشمل؛ إذ يعني الاعتراف بنعمة الله بالقلب، والثناء عليه باللسان، واستعمال النعمة في طاعته بالجوارح.
قال الإمام الغزالي في الاحياء: "الشكر ألا يُستعان بنعمة الله على معصيته". (الغزالي: 2004م، ج4 ص83)
وقال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: "الشكر مبني على ثلاث قواعد: الاعتراف بالنعمة باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة الله". (ابن القيم: 1996م، ج2 ص244)
ثانيًا: مكانة الشكر في القرآن الكريم:
القرآن الكريم يبين أن الشكر من صفات الأنبياء والصالحين.
قال تعالى عن نبي الله نوح عليه السلام:﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾[الإسراء: 3].
وقال عن نبي الله سليمان عليه السلام:﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾[النمل: 19].
وقال سبحانه:﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[سبأ: 13].
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "في الآية دليل على أن الشاكرين قليل بالنسبة إلى غيرهم". (القرطبي: 1964م، ج14 ص247)
ثالثًا: الشكر في السنة النبوية:
جاءت السنة النبوية مؤكدة على قيمة الشكر وفضلها.
قال النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له" (رواه مسلم).
كما أن النبي -ﷺ- كان أعظم الناس شكرًا لله.
فقد كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه.
فلما قيل له: لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال ﷺ: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" [رواه البخاري ومسلم].
قال الإمام النووي: "فيه استحباب الاجتهاد في العبادة شكرًا لله تعالى". (النووي، شرح صحيح مسلم: 2002م، ج6 ص76).
رابعًا: صور الشكر في حياة المسلم:
1) شكر القلب:
وهو الاعتراف بأن كل النعم من الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
2) شكر اللسان:
وهو الثناء على الله وحمده.
قال النبي ﷺ: "الحمد لله تملأ الميزان" [رواه مسلم].
3)شكر الجوارح:
وهو استخدام النعم في طاعة الله.
قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: "الشكر الحقيقي هو استعمال النعمة في مرضاة المنعم". (ابن رجب:2001م، ص298).
خامسًا: الشكر في مدرسة رمضان:
رمضان مدرسة عملية للشكر؛ لأنه يذكر الإنسان بنعم الله التي اعتادها.
فحين يصوم المسلم ساعات طويلة يشعر بقيمة:
نعمة الطعام، نعمة الماء، نعمة الصحة.
ولذلك شرع الله –تعالى- صدقة الفطر في نهاية رمضان شكرًا لله على نعمة الصيام.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم". رواه أبو داود.
قصة:
يروى أن الحسن البصري دخل على رجل غني يشكو ضيق الحال.
فقال له: كم لك من دار؟ قال: داران. قال: وكم لك من ولد؟ قال: أربعة. قال الحسن: "أنت في نعم عظيمة، ولكنك لم تتعود أن تراها". فأدرك الرجل أن السعادة ليست في كثرة النعم فقط، بل في الشعور بها وشكرها.
أبيات شعر:
قال الشاعر:
إذا ما شكرتَ الله زادت عطاياه وصارت حياتك روضةً في هداياه
فكن شاكرًا للفضل في كل لحظةٍ فشكر الإله الفوز في دنياه وأخراه
سادسًا: أثر الشكر في حياة الإنسان:
الشكر يحقق آثارًا عظيمة منها:
1) زيادة النعم:
قال تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم: 7]
2) السعادة النفسية
الشخص الشاكر يعيش حالة من الرضا الداخلي.
3) قوة العلاقة مع الله.
فالشكر يقرب العبد من ربه.
الواجب العملي:
برنامج الشكر في رمضان:
كتابة ثلاث نعم يوميًا وشكر الله عليها.
قول الحمد لله بعد كل نعمة.
إخراج صدقة شكر لله.
سجدة شكر عند حدوث نعمة جديدة.
وصية:
قال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بالشكر".
خاتمة:
كم من نعم نعيش فيها كل يوم دون أن نشعر بها: نعمة الإيمان، ونعمة الأمن، ونعمة الصحة، ونعمة الأسرة.
وما أجمل أن يخرج المسلم من مدرسة رمضان وقد تعلّم درسًا عظيمًا: أن السعادة الحقيقية ليست في كثرة ما نملك، بل في عمق شكرنا لله على ما نملك.
المراجع:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.
٢)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1964م.
٣)الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 2004م.
٤)ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996م.
٥)ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2001م.
٦)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2002م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية