مقالات تربوية

متى يأتي وقت قلبك؟

متى يأتي وقت قلبك؟

كان رجلًا يقطع الطريق على الناس؛ يخيفهم ويأخذ أموالهم، وقد مضت عليه سنوات في ذلك حتى صار هذا هو طريقه الذي يعرفه. ثم كان في ليلةٍ من لياليه، فسمع قارئًا يتلو قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16].

فبكى وقال: "بلى يا ربّ، قد آن."

وكان ذلك الفضيل بن عياض؛ فتحوّلت حياته من الغفلة إلى الولاية، ومن المعصية إلى الإمامة في الزهد والعبادة. صار الرجل الذي كان يُخيف السابلة إمامًا يُروى عنه العلم ويُقتدى بزهده. وهكذا قد تكون آيةٌ واحدة بداية حياةٍ جديدة.

 

ما الذي حدث في تلك اللحظة؟

لم يسمع الفضيل جديدًا لم يكن يعلمه؛ فالآية موجودة، والقرآن يُتلى، وهو يسمعه غير مرّة. لكنّ الذي حدث أن الآية وصلت إلى قلبٍ هذه المرّة لا إلى أذنٍ فقط. وهذا هو الفرق بين قلبٍ حيّ يهتزّ للموعظة وقلبٍ غافل تمرّ عليه الآيات فلا تحرّكه.

وقد وصف ابن القيم رحمه الله هذه الحال بدقّة: "الغفلة نوم القلب، فإذا استيقظ بالذكر أبصر الحقائق." فالغفلة نومٌ لا موت؛ ولذلك يبقى الرجاء في اليقظة ما دام في العمر بقيّة. والفضيل لم يكن ميت القلب، بل نائمه؛ فلمّا جاءه ما يوقظه، استيقظ.

 

الدرس الأوّل: لا تيأس من نفسك ولا من غيرك

فمن ظنّ أن ماضيه يمنعه من التغيير فقد ظلم نفسه؛ فهذا رجلٌ كان يقطع الطريق، فصار إمامًا في الزهد. فباب الله لا يُغلق، ومهما طال أمد الغفلة فالعودة ممكنة.

والدرس الآخر — وهو أهمّ لكلّ مربٍّ وأبٍ — ألّا تيأس ممن تدعوه أو تربّيه؛ فأنت لا تدري أيّ كلمةٍ منك تصادف من قلبه ما صادفته الآية من قلب الفضيل. فربّ موعظةٍ ظننتها ذهبت هباءً، وقد وقعت في القلب موقعها فتغيّرت بها حياة.

 

الدرس الثاني: كن أنت ذلك القارئ

ولاحظ أن الذي غيّر حياة الفضيل قارئٌ لم يقصده ولم يعرفه؛ كان يتلو كتاب الله فحسب. فكم من كلمةٍ طيّبة تقولها، أو آيةٍ تتلوها، أو موقفٍ صالحٍ تفعله، يصادف قلبًا في لحظة استعدادٍ فينقلب به. فلا تحقرنّ من المعروف شيئًا؛ فأنت لا تعلم أيّ عملٍ منك يكون سببًا في هداية إنسان.

 

الدرس الثالث: وقفةٌ للمحاسبة

والسؤال الذي تطرحه القصّة على كلّ واحدٍ منّا: متى يأتي وقتي أنا؟ فالآية سؤالٌ موجّه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ...﴾ — ألم يحن الوقت بعد؟ ولذلك قف اليوم مع نفسك وقفةً صادقة، واسألها:

متى كانت آخر دمعة خشيةٍ لله؟ كم مرّة قرأتُ القرآن هذا الأسبوع؟ هل قلبي حاضرٌ في الصلاة أم مشغولٌ بالدنيا؟ هل أنا مستعدٌّ لو جاءني ملك الموت الآن؟

فهذه الأسئلة الأربعة كفيلةٌ بأن تكشف لك موضع قلبك؛ فمن لم يجد جوابًا مطمئنًّا، فليقل ما قاله الفضيل: بلى يا ربّ، قد آن.

 

كيف نحفظ اليقظة بعد أن تأتي؟

فاللحظة تأتي، لكن الثبات بعدها يحتاج عملًا: المحافظة على الصلوات في وقتها، والإكثار من ذكر الله، وتلاوة القرآن بتدبّر، ومحاسبة النفس كلّ ليلة، وصحبة الصالحين، والإكثار من الدعاء والاستغفار، وتذكّر الموت والوقوف بين يدي الله. فالقلب الذي استيقظ يحتاج ما يبقيه مستيقظًا؛ فالقلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤه ذكر الله كما قال ابن تيمية رحمه الله.

 

خاتمة

قد لا تحتاج حياتك كلّها إلى تغييرٍ شامل بقدر ما تحتاج إلى لحظة صدقٍ واحدة: آيةٌ تصل إلى قلبك فتقول لها ما قال الفضيل. فلا تؤجّل الجواب؛ فالموفَّق من أيقظ قلبه قبل أن يوقظه الموت.

 

 

اقرأ أيضًا: كيف تحمي ابنك وهو يسأل الذكاء الاصطناعي عن دينه؟

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم