نتحدّث عن البخل فينصرف الذهن إلى المال؛ والحقيقة أن الشحّ ليس مقصورًا على المال، بل له صور كثيرة، ومنها ما هو ألصق بعمل المربي من المال نفسه: البخل بالعلم، والبخل بالوقت، والبخل بالكلمة الطيبة، والبخل بالمشاعر والرحمة، واحتكار الخير عن الناس. فقد يكون المربي غنيًّا بالمال، لكنه فقير في العطاء حيث يجب أن يعطي.
البخل بالعلم
وهو أن يمسك المربي ما عنده: يخشى أن يعلّم غيره فيسبقه، أو يحتفظ بخلاصة تجربته وطرائقه لنفسه، أو يجيب إجابةً ناقصة يبقي بها لنفسه فضلًا. وهذا احتكارٌ للخير عن الناس؛ ومن كتم علمًا نافعًا فقد منع ما لا يملكه أصلًا، فالعلم عطيّة الله ومَن أعطاه إياه لم يُعطه ليحتكره.
وعلاجه أن يوقن المربي أن العلم لا ينقص بالبذل بل يزكو، وأن ما ينفعه الله به على يد تلميذٍ علّمه هو أبقى له من أن يموت العلم في صدره.
البخل بالوقت
وهو أخطرها في التربية؛ فقد يبذل المربي درسه ويمنع وقته: لا يجلس لمن يستشيره، ولا يتفقّد غائبًا، ولا يسمع شكوى متعثّر. والتربية — كما تقرّر — علاقةٌ لا تُبنى إلا بالوقت المشترك؛ فمن بخل بوقته على من يربّيهم، بخل عليهم بالتربية نفسها وإن أعطاهم علمًا.
وعلاجه أن يحسب المربي وقته المبذول في الناس عبادةً واستثمارًا، لا خصمًا من حياته الخاصة.
البخل بالكلمة الطيبة
فكم من مربٍّ يبخل بكلمة ثناء يستحقّها متعلّمه، أو تشجيعٍ ينهض بمتعثّر، أو اعتذارٍ يرأب صدعًا. والبخل بالكلمة الطيبة من صور الشحّ المذكورة؛ وهو من أرخص العطاء ثمنًا وأعظمه أثرًا. فالكلمة لا تُنقص من صاحبها شيئًا، وقد تصنع في نفس المتربّي ما لا تصنعه سنوات.
البخل بالمشاعر والرحمة
وهو أن يتعامل المربي بجفاءٍ محسوب: لا يُظهر حبًّا، ولا يرحم ضعفًا، ولا يواسي مصابًا؛ ظنًّا أن ذلك من الهيبة. وهذا شحٌّ في العطاء الأهمّ؛ فالمتربّي يحتاج من مربّيه قلبًا قبل أن يحتاج معلومة.
من أين ينشأ هذا الشحّ؟
من الأسباب نفسها التي ينشأ منها شحّ المال: الخوف من المستقبل (أن يستغني عنّي من علّمته)، وحبّ التملّك (أن يبقى الفضل والمرجعية لي)، والمقارنة المستمرّة بالآخرين (خشية أن يبرز غيري)، وضعف اليقين بأن الله هو الرزّاق للعلم والمكانة كما هو الرزّاق للمال.
علاجٌ عملي للمربي
اجعل لك عطاءً يوميًّا لا يُحصى عليك: معلومةً تفيد بها، ووقتًا تمنحه، وكلمةً تشجّع بها. فكما قيل في علاج شحّ المال: خصّص صدقةً يومية ولو قليلة — فكذلك اجعل لعلمك ووقتك صدقةً يومية.
علّم من تظنّ أنه سيتفوّق عليك. فهذا أصدق اختبارٍ لتحرّرك من الشحّ؛ فمن علّم بنيّة أن يُنتفع به، لم يضرّه أن يبرز تلميذه.
تذكّر أن الفضل بيد الله. فما عندك عطاء، وليس ملكًا تخشى نفاده؛ ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] — والإنفاق يشمل كلّ بذل.
واجعل لك أثرًا باقيًا. فكما يُوصى بالصدقة الجارية في المال، فأعظم صدقة المربي علمٌ يُنتفع به؛ فما بذلته من علمٍ ووقتٍ يجري لك بعد موتك.
خاتمة
ليس الكريم من يعطي الكثير فقط، بل من يعطي بقلبٍ راضٍ، ويوقن أن خزائن الله لا تنفد. فراجع نفسك أيّها المربي: أتبخل بعلمٍ تخشى أن يسبقك به غيرك؟ أم بوقتٍ تظنّه ملكك وحدك؟ أم بكلمةٍ طيبة لا تكلّفك شيئًا؟ فمن وقاه الله شحّ نفسه — في ماله وعلمه ووقته — فقد أفلح؛ والكرم حياة للقلوب، والشحّ سجن للنفوس.
اقرأ أيضًا: أمّة تستهلك التقنية ولا تصنعها: الذكاء الاصطناعي تحدي العصر
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.