يواجه كلّ مربٍّ لحظةً تكشف معدنه: أن يظهر الصواب على لسان غيره -تلميذه أو زميله الأصغر- بعد أن قال هو خلافه. عندها يتقرّر أمرٌ خطير: هل هو يحبّ الحقّ، أم يحبّ رأيه؟
فـالعالم العامل الرباني الحقّ هو من كان يهتمّ بتحصيل المادة العلمية الصحيحة، مع حرصه على أن تصل إلى كلّ الناس بشكلٍ صحيح، حتى لو جاءت من غيره. وهذا هو إنكار الذات في ميدان العلم والتعليم؛ وقد ترك لنا أئمّتنا فيه مواقف تُقرأ في كلّ عصر.
الموقف الأوّل: مالك يقول لتلميذه "الآن حقّ لك أن تفتي"
كان الإمام مالك -رحمه الله- في مجلسه مع تلاميذه، فجاء رجلٌ يستفتيه في رجلٍ قال لامرأته: "أنتِ طالق ما غرّد العصفور"، فأفتى بطلاقها؛ فانصرف الرجل حزينًا. فاستوقفه الإمام الشافعي -رحمه الله- وبيّن له وجهًا آخر، فلمّا استعلم مالكٌ من الشافعي، احتجّ الشافعي بقول رسول الله -ﷺ- لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها في الرجلين اللذين خطباها: "أمّا معاوية فصعلوك، وأمّا أبو الجهم فضرّابٌ للنساء" — والمقصود غالب حال أبي الجهم لا كلّ أحواله؛ وكذلك غالب حال العصفور أنه يغرّد، فلا تطلق المرأة.
فماذا صنع مالك؟ قال: "الآن حقّ لك أن تفتي". فـلم يرفض اجتهاد تلميذه في مجلسه، ولم يأخذه الكبر أن يكون في المسألة رأيٌ آخر يخالف رأيه، رضي الله عن الجميع. وتأمّل: مجلسٌ فيه تلاميذه، وموقفٌ يمكن أن يُحرجه أمامهم؛ فآثر أن يظهر الحقّ ويرتفع تلميذه، على أن يبقى رأيه سالمًا.
الموقف الثاني: ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما
وفي البخاري أن أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- سُئل عن بنتٍ وبنت ابنٍ وأخت، فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، ثم قال للسائل: ائتِ ابن مسعود فسيوافقني. فسُئل ابن مسعود رضي الله عنه فقال: لأقضينّ فيها بقضاء رسول الله ﷺ، وذكر الحكم على خلاف ما قال أبو موسى.
والشاهد في موقف أبي موسى -رضي الله عنه- حين بلغه ذلك: أنه رجع إلى الحقّ وقال ما معناه: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْر فيكم. فالرجوع إلى الصواب حين يتبيّن ليس نقصًا في العالم، بل هو تمام علمه وأمانته.
الموقف الثالث: العزّ بن عبدالسلام ينادي على خطئه
ولقيَ سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام رحمه الله سائلًا في الطريق فأفتاه، ثم تنبّه بعد مراجعة نفسه أن الفتوى ليست صحيحة. فماذا يفعل؟ رجلٌ لا يعرفه، ومسألةٌ عابرة في طريق، ولا أحد يعلم.
لقد أرسل مناديًا يطوف أنحاء المدينة يقول: "يا من أفتاه اليوم العزّ بن عبد السلام، يقول لك العزّ بن عبدالسلام: إن فتواه غلط". فقال أهل العلم ساعتها: لقد تفوّق العزّ على نفسه، ولقّبوه سلطان العلماء.
فتأمّل التعبير: "تفوّق على نفسه"؛ فأصعب انتصارٍ يحقّقه المربي ليس على خصمٍ خارجه، بل على نفسه التي تكره أن تُخطّئ نفسها علنًا.
ماذا يأخذ المربي من هذه المواقف؟
أن يفرح بظهور الحقّ ولو على لسان غيره. فإن وجدت في نفسك انقباضًا حين يصيب تلميذك ويخطئ رأيك، فتلك ثلمةٌ في التجرّد تحتاج علاجًا. ومن كان قصده وصول الحقّ إلى الناس، لم يبالِ على يد من وصل.
ألّا يمنعه مقامه من الرجوع. فمكانتك بين متعلّميك لا تحفظها بالإصرار على الخطأ، بل بالرجوع عنه؛ فرجوعك يرفعك في أعينهم ولا يخفضك، ويعلّمهم أن الحقّ أكبر من الجميع.
أن يصحّح خطأه ولو كلّفه. فمن أفتى أو علّم خطأً، فليتتبّع خطأه ويصحّحه لمن بلغه، ولو احتاج ذلك جهدًا وإحراجًا؛ فالعزّ بن عبدالسلام أرسل مناديًا في مدينةٍ كاملة لأجل سائلٍ واحد.
وألّا يكتم العلم عمّن يستحقّه. فمن هدي هؤلاء الأئمّة ألّا يُتعلَّم العلم إلا خشيةً لله، وأن يُبذل لمن طلبه؛ فالعلم أمانةٌ لا ملكية.
خاتمة
في كلّ مجلسٍ تجلسه ستأتيك لحظة اختبار: صوابٌ يظهر على لسان غيرك، أو خطأٌ لك ينكشف. فتذكّر مالكًا وهو يقول لتلميذه "الآن حقّ لك أن تفتي"، والعزَّ وهو يفضح خطأ نفسه في مدينةٍ كاملة. فالعالم الرباني يحرص أن يصل الحقّ إلى الناس ولو جاء من غيره؛ ومن تفوّق على نفسه، رفعه الله في الدنيا والآخرة.
اقرأ أيضًا: بخل لا يحاسَب عليه أحد: حين يشح المربي بعلمه ووقته وكلمته
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.