المربي

المربي

التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها

التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها

هناك فرق دقيق ــ لكنه فاصل ــ بين مربٍّ يخدم رسالته، ومربٍّ يستخدمها. الأول جعل نفسه جسرًا يعبر عليه الخير إلى الناس، لا يبالي أذُكر اسمه أم نُسي، والثاني جعل الرسالة سلّمًا يصعد عليه إلى الصدارة والثناء ومحبة الأتباع. وقد يتشابه الاثنان في الظاهر سنوات، حتى تأتي لحظة الاختبار: نقدٌ يُوجَّه، أو فضلٌ يُنسب لغيره، أو موقعٌ يُسحب منه؛ فيثبت الأول لأن قلبه معلق بالغاية، وينكفئ الثاني لأن قلبه كان معلقًا بنفسه.

هذا الفرق اسمه في ميزان التزكية: التجرد. وهو مرتبة سامقة لا تُنال إلا بمجاهدة؛ إذ لا يبلغها من ألجم نفسه عن حظوظها وشهواتها الخفية، وأخلص القصد لله وحده: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. والمربي أحوج الناس إلى هذه المرتبة؛ لأن بين يديه قلوبًا تتشكل، وحظوظ النفس إذا تسللت إلى التربية أفسدتها من حيث يُظن الإصلاح.

 

ميزان التجرد: أربعة اختبارات

كيف يعرف المربي موضع قلبه؟ ثمة ميزان دقيق يختبر به نفسه:

الاختبار الأول: على يد من يظهر الحق؟ المتجرد قصدُه الحق ونشدانُ الصواب، لا يفرّق بين أن يظهر الحق على يده أو على يد غيره. فإذا وجدت في نفسك انقباضًا حين يهتدي طالبك على يد مربٍّ آخر، أو حين يُنسب نجاح عملٍ لزميلك، فاعلم أن في التجرد ثلمة.

الاختبار الثاني: كيف تستقبل النقد؟ المتجرد يرى من عرّفه خطأه معينًا لا خصمًا، ويشكره على ذلك. أما من يغضب للنقد ويتلمس لنفسه المعاذير دائمًا، فقد صارت ذاته ــ لا الحق ــ محور اهتمامه.

الاختبار الثالث: هل يتغير عطاؤك بتغير موقعك؟ المتجرد لا يربط اجتهاده بالمناصب والصدارة؛ يعمل في الصف الأول والأخير بالهمة نفسها، لأن أجره عند من لا تخفى عليه خافية. فمن فتر عطاؤه حين تأخر موقعه، فقد كان يعمل لموقعه لا لربه.

الاختبار الرابع: كيف تعامل من أساء إليك؟ المتجرد لا يجعل المواقف الشخصية سببًا لهدم عملٍ صالح أو قطيعة رسالة؛ يفصل بين خصومته الخاصة وبين الحق الذي يحمله، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة:8]. 

 

حين يغيب التجرد

وإذا غاب التجرد حلّ محله ضدّان خطيران: اتباع الهوى، والإعجاب بالرأي. وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد ضمن علامات الزمن الصعب: "هوًى متبعًا... وإعجابَ كل ذي رأي برأيه". والمربي المعجب برأيه لا يتعلم ولا يراجع، والمتبع هواه يقرّب من يمدحه ويقصي من يصارحه؛ وكلاهما يربي حوله جوقة لا جيلًا. بل إن كثيرًا مما نراه من تنازع وشقاق بين العاملين في الحقل التربوي، إنما هو في جوهره نقصٌ في التجرد: ذواتٌ تضخمت حتى حجبت الغاية.

 

كيف يربي المربي نفسه على التجرد؟

تعاهد نيتك في محطات ثلاث: قبل العمل: لماذا أفعل هذا؟ وأثناءه: ألتفتُّ إلى ثناء الناس؟ وبعده: هل أنتظر الشكر؟ فالنية سريعة التقلب، وتعاهدها عبادة دائمة.

اعمل عملًا لا يعلمه أحد. اجعل لك بابًا من الخير مستورًا ــ صدقة خفية، دعاءً لطلابك بظهر الغيب ــ يذكّر قلبك أن ثمة من يراك حين لا يراك أحد.

افرح بنجاح أقرانك فرحك بنجاحك. درّب قلبك على الدعاء لمن تنافسهم النفس بينك وبينهم؛ فهو دواء الحسد الخفي وحظّ النفس المستتر.

اطلب النقد ولا تنتظره. اسأل من تثق بصدقه: أين أخطئ؟ فطلب النصيحة عزّ للمتجرد، وثقلها على النفس مؤشر صادق على موضعك من التجرد.

 

خاتمة

التجرد ليس زهدًا في الأثر، بل زهدٌ في نسبة الأثر إلى النفس؛ فالمربي المتجرد أعظم الناس أثرًا لأن الله يبارك في العمل الخالص ما لا يبارك في غيره. ومن أراد أن يبقى عمله بعد عمره، فليخلّصه أولًا من حظوظ نفسه، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

 

 

اقرأ أيضًا: القدوة قبل الكلمة  |  من وظائف ومهام المربي

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم