فتح الورثة الخزنة الحديدية في غرفة أبيهم بعد أربعين يومًا من رحيله، يحمل كل واحد منهم في صدره رقمًا تخيّله طوال الأسابيع الماضية.
كان الحاج سليم تاجر أقمشة عُرف في السوق بالصرامة، ولم يكن أحد يعرف بالضبط كم ترك خلفه.
داخل الخزنة لم يجدوا ذهباً ولا أوراقًا مالية.
وجدوا دفترًا جلديًّا قديمًا وثلاث حصّالات فخارية صغيرة عليها أسماء أبنائه الثلاثة محفورة بخط يده: مراد، وسامية، وفهد. وإلى جانبها صندوق نحاسي صغير عتيق عليه قفل بسيط، لم يكن أحد منهم يعرف ما بداخله.
هذا كل ما تركه لنا؟ قالها مراد الابن الأكبر وهو يقلّب الدفتر بلا اهتمام.
لكن فهد الأصغر توقف عند صفحة كُتب أعلاها تاريخ يرجع إلى أربعين عامًا مضت.
كان الأب قد بدأ الدفتر بجملة واحدة: “اليوم أعطيت مراد أول مصروف له خمسة قروش وقلت له لا تخبرني كيف تنفقها أخبرني فقط كيف شعرت بعدها”.
تتابعت الصفحات... في كل أسبوع كان الحاج سليم يكتب جملة أو جملتين عن أحد أبنائه. لا حسابًا ولا أرقامًا إنما ملاحظات: “اشترى مراد اليوم حلوى بكل مصروفه ثم بكى حين رأى صديقه يشتري لعبة. قلت له غدًا أسبوع جديد فكّر قبل أن تشتري”.
“سامية ادّخرت قرشين من الخمسة ووضعتهما في الحصّالة دون أن أطلب منها... لم أعلّق بشيء”.
وفي صفحة من السنة الأولى كتب: “اليوم باع الدكان أول بضاعة بربح طيب. أخذت ربع الربح ووضعته في الصندوق النحاسي أمام أعين الأولاد.
مراد سأل: لماذا لا تضعه مع باقي المال؟ قلت له فقط لأن هذا المال ليس لنا وحدنا:﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم…﴾[النور: 33]. ولم أزد على ذلك حرفًا.
وتكرر الأمر في صفحات لاحقة، كل أسبوعين أو ثلاثة ربح يدخل وربع منه يذهب إلى الصندوق النحاسي بصمت أمام الأبناء عامًا بعد عام.
وصل فهد إلى صفحة كُتبت قبل خمس سنوات فقط حين كان فهد نفسه شابًا يطلب من أبيه قرضًا ليشتري سيارة لم يكن يحتاجها....
كتب الحاج سليم: “رفضت اليوم طلب فهد، قال: إنني بخيل.
قلت له قبل أن يخرج غاضباً: يا بني النبي -ﷺ- يقول: “إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”، وأنا لا أمنعك المال إنما أمنحك القدرة على كسبه. لم يسمعني، وخرج."
أغلق فهد الدفتر وعيناه تلمعان وتذكر تلك الليلة وكيف ظل يكرر لأصدقائه أن أباه التاجر الثري لا يريد أن يرى ابنه سعيدًا، متناسيًا تلك الجملة التي لم يلتفت إليها يومها.
أما سامية فقد فتحت حصّالتها فوجدت ورقة مطوية بعناية: “يا سامية في عمر الثامنة وضعتِ أول قرش لكِ في هذه الحصّالة دون أن يطلب منكِ أحد. كنت أراقبكِ من بعيد كل أسبوع، وأنتِ توزّعين مصروفك بين يدك وهذه الحصّالة بصمت.
لم أكافئكِ يومها لأن الفعل نفسه كان مكافأتك.
اليوم أعيد إليكِ كل قرش وضعتِه مضاعفًا ثلاث مرات لأن من يحفظ القليل يستحق أن يُحفظ له الكثير”.
داخل حصّالة مراد لم يجد سوى الخمسة قروش الأولى نفسها، لم تتحرك منذ أربعين عامًا وورقة تقول: “أنت لم تضع فيها شيئاً قط يا مراد فلم يكن لي ما أزيده”.
أما حصّالة فهد ففيها مبلغ متوسط وورقة أطول من الورقتين السابقتين:
“رفضتُ قرض السيارة لا لأني بخلت عليك لكن لأني أحببتك أكثر مما أحببت راحتك في تلك اللحظة. كنت أعرف أنك تستطيع شراءها بنفسك بعد سنتين لو عملت، وقد فعلت واشتريتها من عرق جبينك، وما زلت تحتفظ بها حتى اليوم رغم أنها أقدم سيارة بين سيارات أصدقائك. اسأل نفسك أيهما أحببت أكثر، سيارتك أم سيارة من اشتراها أبوه؟”
جلس الثلاثة صامتين طويلًا. لم تكن المسألة في الفرق بين المبلغين إنما في أن كل واحد منهم أدرك فجأة أن أباه لم يكن يراقب أموالهم يومًا إنما كان يراقب علاقتهم بها.
تذكّر مراد حينها سؤاله القديم عن الصندوق النحاسي فقام وفتحه.
وجد بداخله سجلًا صغيرًا منفصلًا فيه أسماء عائلات في الحي وأمامها مبالغ ونقاط مؤرَّخة آخرها قبل وفاة أبيه بأسبوع واحد. لم يكن صندوق ادخار، كان صندوق سداد يفرغه الأب كل بضعة أشهر في يد محتاج لا يعرفه أحد من العائلة ولا حتى من في الحي.
وفي آخر السجل سطر واحد: “لم أخبر أحدًا بهذا الصندوق طوال أربعين عامًا لأني سمعت رسول الله -ﷺ- يصف من يُظلّه الله يوم لا ظل إلا ظله: “رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”.
واليوم أخبركم لا لأطلب ثناءً فقد فات أوانه إنما لتعرفوا أن المال الذي يُخفى لله أبقى من المال الذي يُكنز للورثة”.
أغلقت سامية الدفتر ونظرت إلى أخويها. قالت: أظن أبي ترك لنا أكثر مما تركه أي تاجر آخر لأبنائه.
فابتسم فهد وحمل مراد الدفتر بصمت وقرأه من أوله مرة أخرى، هذه المرة دون أن يتعجل الوصول إلى آخر صفحة.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.