لماذا رفضت الحركة الإسلامية الروحانية الاعتزالية؟
الروحانية الاجتماعية: أن معنى الشمول الذي سبق الإشارة إليه، جعل الإخوان لا يؤمنون بمبدأ (الروحانية الاعتزالية) التي يؤمن بها ويدعو لها غلاة الصوفية، والتي هي إلى رهبانية المسيحية أقرب منها إلى تصوف الإسلام.
فالإخوان روحانيون أو ربانيون، يسلكون في حياتهم الخاصة وفي النواحي العبادية مسلك أهل التصوف، واجتماعيون يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويختلطون بالمجتمعات كلها على اختلاف أنواعها، ينشرون دعوتهم، ويروجون لفكرتهم، ويعتبرون أنفسهم في الحالين جميعاً مجاهدين.
فهم في نشاطهم الروحي يجاهدون أنفسهم، ويخلصونها من شوائب المادية الطاغية على النفوس، ويصقلون أرواحهم بالعبادة، وفي نشاطهم الاجتماعي يجاهدون في إصلاح المجتمع الذي تنخر فيه الأمراض الاجتماعية، وتفتك به العلل الأخلاقية، ضاربين المثل بأنفسهم في البذل والتضحية، وخاصة بعد أن طغت موجة النفعية التي روجت لها في الشرق فلسفة الغرب المادية... لذلك كانت التضحية من دعائم البناء في شخصية الأخ المسلم.
فيقول المرشد الأول الأستاذ البنا: " أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه ووقته وصحته: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [ٍالتوبة: 24].
ويعتقد الإخوان أن علوم التصوف هي " علوم التربية والسلوك " وأنها من لب الإسلام وصميمه، ولكنهم يرون أن من صالح المجتمع أن تخرج إليه تلك الفئة التي تربت هذه التربية الروحية القوية، ليكونوا مثلاً عملية يقتدي بها الناس، وصورا ناطقة متحركة للفضائل والأخلاق الكريمة يكون لها أعظم الأثر في إصلاح المجتمع، فليس أبلغ في إقناع الناس من القدوة العملية، وطالما تمنى الإخوان أن تخلص الطرق الصوفية من المبالغات والشوائب التي لحقتها، وأن تتعاون بجهودها مع الأزهر، والجماعات الإسلامية " ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية، بقوة الطرق الروحية، بقوة الجماعات الإسلامية العملية. لكانت أمة لا نظير لها، توجه ولا تتوجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها، وترشد هذا المجتمع الضال على سواء السبيل ".
وتنظيم التعاون بين هذه الجهات الثلاثة في سبيل إصلاح المجتمع على هذا النحو هو ما يسمى حالياً بعلم تنسيق المجتمع (Community Organization) وليس عندي ما يؤكد أن الأستاذ البنا قد درس هذا العلم أو قرأ عنه، وإن كانت ظواهر الأمور تحكم أنه كان يسنده ظهير كبير من سعة المعلومات كما قال عنه أحد الكتاب " حيثما وجهت طرفك في ميادين الاقتصاد والسياسة والقانون. أو الفقه والتاريخ والتصوف، أو الإدارة والشركات والمشاريع، أو في الصحافة والطباعة والتوزيع، وجدته دارساً فاهماً "
كما كنا نسمع أنه كان يلتهم كل النظريات العلمية الحديثة التي ظهرت في علم النفس أو علم الاجتماع، ويحاول تطبيقها والانتفاع بها.
ولعله من المفيد ونحن في معرض الحديث عن الروحانية الاجتماعية أن نعرض لرأي الأستاذ البنا قسم فيه مراحل تطور عقلية الإنسان إلى ثلاث مراحل:
1- طور الخرافة والبساطة والتسليم المطلق للغيب المجهول له، والقوى البعيدة عنه، فهو ينسب إليها كل شيء، ويفسر بها كل شيء، ولا يرى لنفسه معها عملاً ولا فكراً. أو ما يسعى بالعقلية الغيبية.
2- وطور الجمود والتنكر لهذا الغيب المجهول، والخروج عن القوى البعيدة عن حس الإنسان، والتمرد على كل ما يتصل إليها بسبب، ومحاولة تفسير مظاهر الكون جميعاً محاولة مادية صرفه وفق قوانين تجريبية اهتدى إليها الإنسان بطول تجاربه، ودوام بحثه وتفكيره، أو ما يسمى بالعقلية العلمية.
وفي هذا الطور أنكر الإنسان المادي الألوهية وما يتصل بها، والنبوات وما يحدث عنها، والآخرة والجزاء العالم الروحي بكل ما فيه.
3- العقلية الإسلامية. أو الجمع بين الإيمان بالغيب، والانتفاع بالعقل، فنحن نعيش في عالمين فعلاً لا في عالم واحد، ونحن عاجزون عن تفسير كثير من مظاهر الكون فعلاً، فلذلك كان لزاماً على الناس أن يعودوا إلى الإيمان بالله، وبالنبوات، وبالروح، وبالحياة الآخرة، في الوقت الذي يجب عليهم فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم، وتعرف، وتخترع، وتكتشف، وتسخر هذه المادة الصماء، وتنتفع بما في الوجود من خير وميزات.
ومن العجيب أن يأتي تفكير الأستاذ البنا في هذه الناحية الاجتماعية الصرفة أقوى من تفكير مؤسس علم الاجتماع.
فقد أدمج الأستاذ البنا المرحلتين الطبيعية والموضوعية في مرحلة واحدة، هي التي سماها مرحلة العقلية العلمية.
ومن الطبيعي أن تحليل الإنسان للظواهر تحليلاً طبيعياً يستلزم معرفة الإنسان بعلوم الطبيعة والكون، مما يؤكد إمكان إدماجها في المرحلة العلمية.
وزاد الأستاذ البنا مرحلة أكثر تقدمية، هي مرحلة العقلية الإسلامية، التي توفق بين العقليتين الغيبية والعلمية، وتؤكد أن الإنسان يستطيع أن يحيا مع روحه في عالم ما وراء المادة، ويحيا بعقله في عالم المادة.
وعلى هذا الأساس من الجمع بين الروح والمادة لصلاح المجتمع وعمرانه، قام مبدأ الروحانية الاجتماعية في نفوس الإخوان وعقولهم، ولم يكن هناك أدنى تعارض عندهم من أن يكون رهباناً بالليل، وفرساناً بالنهار.
العقلية الإيجابية: وأعنى بها تلك العقلية الإنشائية التي تفكر في أن تبني ولا تهدم. وتصلح ولا تحطم، وتتعالى عن سفاسف الأمور وتنشغل بعظائمها، وتتوجه إلى أهداف الدين الأساسية فتعمل على تحقيقها، بدل أن تضيع قروناً طويلة من الزمان في الخلاف حول أمور فرعية لا تمس جوهر الدين في شيء، كما حدث في مسألة التوسل والوسيلة،
وكانت العقلية الإيجابية هي طابع الإخوان، فدعوتهم دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص، ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم، حتى يكون العمل أجدى، والإنتاج أعظم وأكبر.
وهم لهذا متسامحون بعكس ما أشيع بالباطل عنهم، واسعوا الأفق غير محدودي التفكير، يتميزون بالمرونة العقلية، ويجيزون الخلاف في المسائل الفرعية في الدين ويعتبرونه ضرورة.
"نحن نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لابد منه ضرورة. ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة: منها اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه، وإدراك الدلائل والجهل بها. والغوص في أعماق المعاني وارتباط الحقائق بعضها ببعض، ومنها سعة العلم وضيقه، واختلاف البيئات واختلاف تقدير الدلالات..... كل هذه الأسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد من فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور ويماشي الأزمان ".
ثم تبدو العقلية الإيجابية في أوضح مظاهرها حيث يدعو الإخوان إلى الاتجاه لما هو أنفع من ذلك كله على الناس والمجتمع، ومحاربة المنّكرات الشائعة التي تخالف لب الدين وصميمه، بدل ضياع الجهود والأوقات في الخلاف حول الأمور الفرعية،
" ويعلم الإخوان المسلمون أن هناك ناحية اجتماعية هي أخطر النواحي على كيان هذا الدين، وحبذا لو وجهت جهود الدعاة من المسلمين إلى جمع الناس حول محاربة هذه النواحي الخطرة التي تهدد الدين من أساسه، والتي نحن جميعاً مجمعون على استنكارها ووجوب العمل على إزالتها "
ثم يلخصون رأيهم في هذه الناحية: بأنهم يجيزون الخلاف، ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق. ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب.
ولهذا كله نص القانون الأساسي للإخوان المسلمين على أن الإخوان " هيئة إسلامية جامعة، تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها للإسلام الحنيف، ومما يتصل بهذه الأغراض ويتناول الناحية الروحية التي نحن بصددها:
(أ) شرح دعوة القرآن الكريم شرحاً دقيقاً يوضحها ويردها إلى فطريتها وشمولها. ويعرضها عرضاً يوافق روح العصر، ويرد عنها الأباطيل والشبهات.
(ب) جمع القلوب والنفوس على هذه المبادئ القرآنية وتجديد أثرها الكريم فيها، وتقريب وجهات النظر بين الفرق الإسلامية المختلفة.
.