بحوث ودراسات

الصحة العامة في البيئات غير المستقرة وحالات الطوارئ: غزة نموذجًا

الصحة العامة في البيئات غير المستقرة وحالات الطوارئ: غزة نموذجًا

فهرس الموضوعات

ملخص البحث

الفصل الأول :الإطار العام للدراسة 

المقدمة،
 مشكلة البحث،
 أهداف البحث
أهمية البحث 
 فروض البحث. 
حدود البحث،
 مصطلحات البحث 
منهج  البحث
الدراسات السابقة والتعليق  عليها

الفصل الثاني: الإطار النظري للدراسة 

 الصحة العامة في البيئات غير المستقرة ،وفي الطوارئ:
المبحث الأول: تعريف الصحة العامة في الطوارئ.
المبحث الثاني: أهمية دراسة غزة.

 الفصل الثالث: الوضع الصحي في غزة:

المبحث الأول: البنية الصحية قبل الحصار.
المبحث الثاني: أثر الحصار والحروب على الصحة
المبحث الثالث: الأمثلة الواقعية.

الفصل الرابع: استراتيجيات تعزيز الصمود الصحي:

المبحث الأول: تعزيز البنية التحتية الصحية
المبحث الثاني: تدريب الطواقم الطبية
المبحث الثالث: الوقاية والتوعية الصحية.
المبحث الرابع: دعم الصحة النفسية والاجتماعية

الفصل الخامس:الخاتمة:

أولا: النتائج
ثانيا:التوصيات.
ثالثا:المقترحات.

 قائمة المراجع العربية والأجنبية

___________________

ملخص الدراسة :

يتعرض قطاع غزة لضغوط كبيرة على الصحة العامة نتيجة الحصار المستمر والنزاعات المسلحة. يتناول هذا البحث واقع الصحة العامة في غزة أثناء الطوارئ، مع التركيز على انتشار الأمراض، شح الأدوية والمستلزمات الطبية، سوء التغذية، والتحديات النفسية، والاجتماعية. كما يقترح البحث استراتيجيات عملية لتعزيز الصمود الصحي، ويستند إلى بيانات ،وتقارير وزارة الصحة الفلسطينية، منظمة الصحة العالمية، اليونيسف، ودراسات أكاديمية عربية، وأجنبية.

الفصل الإول :الإطار العام للبحث:

المقدمة:

تتعرض الصحة العامة في قطاع غزة منذ سنوات طويلة لضغوط نتيجة الحصار، والحروب المسلحة، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية، وغير المعدية، ارتفاع حالات سوء التغذية، وتأثير نفسي واجتماعي كبير على السكان، خصوصًا الأطفال، والنساء، وكبار السن (WHO EMRO، 2025، ص 12؛ Roy، 2016، ص 67).

تهدف الدراسة إلى:

- تحليل الوضع الصحي في غزة خلال الطوارئ.

- دراسة انتشار الأمراض، وسوء التغذية.

- تقديم حلول عملية لتعزيز الصمود الصحي.

أولا: مشكلة البحث:

تتمثل المشكلة في: ضعف قدرة النظام الصحي في غزة على مواجهة الطوارئ والأزمات، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض، نقص الأدوية، سوء التغذية، وتأثر الصحة النفسية والاجتماعية للسكان.

ثانيا: أهداف البحث:

1. تحليل الأمراض الأكثر انتشارًا في غزة أثناء الطوارئ.

2. تقييم شح الأدوية والمستلزمات الطبية.

3. دراسة أثر سوء التغذية على الأطفال، والنساء.

4. تقييم الصحة النفسية، والاجتماعية للسكان.

5. اقتراح استراتيجيات لتعزيز الصمود الصحي.

ثالثا: أهمية البحث:

_دعم صانعي القرار في تحسين السياسات الصحية.

_توثيق الوضع الصحي في غزة بالأرقام والإحصاءات.

_إثراء الدراسات العربية، والأجنبية عن الصحة العامة في البيئات غير المستقرة.

رابعا: فروض البحث:

1. توجد علاقة مباشرة بين الحصار، والحروب، وارتفاع معدلات الأمراض في غزة.

2. نقص الأدوية ،والمستلزمات يزيد من تفاقم الأمراض المزمنة، والوفيات preventable deaths.

3. سوء التغذية يؤثر على النمو البدني، والعقلي للأطفال، والنساء.

4. الأزمات تؤدي إلى زيادة الاضطرابات النفسية، والاجتماعية.

5. يمكن تعزيز الصمود الصحي من خلال استراتيجيات متكاملة تشمل البنية التحتية، التدريب، الوقاية، والدعم النفسي.

خامسا: حدود البحث:

المكانية: قطاع غزة.

الزمانية: الفترة من 2010 إلى 2025.

البشرية: جميع الفئات العمرية، مع التركيز على الأطفال، والنساء ،وكبار السن.

سادسا : مصطلحات البحث:

_الصحة العامة: قدرة المجتمع على الحفاظ على حياة الإنسان، والوقاية من الأمراض (UNICEF، 2020، ص 8).

_البيئات غير المستقرة: المناطق المتأثرة بالحروب المسلحة، أو الكوارث الطبيعية، أو الحصار.

_الصمود الصحي: قدرة النظام الصحي، والمجتمع على الاستمرار في تقديم الخدمات الصحية أثناء الطوارئ.

سابعا: منهجية البحث:

نوع البحث: المنهج الوصفي التحليلي 

أدوات جمع البيانات: تقارير وزارة الصحة الفلسطينية، WHO، UNICEF ، الدراسات الأكاديمية، والمصادر الشرعية.

طريقة التحليل: مقارنة البيانات الميدانية مع الدراسات السابقة، استخدام الإحصاءات لدعم التخليل.

ثامنا الدراسات السابقة والتعليق عليها:

1. Roy (2016): تحليل أثر الحصار على الاقتصاد ،والصحة العامة في غزة. التعليق: الدراسة شاملة لكنها اقتصادية أكثر من كونها صحية.

2. Masten (2014): دراسة الصدمات النفسية للأطفال في مناطق النزاع. التعليق: مفيدة لتفسير التحديات النفسية، والاجتماعية.

3. WHO EMRO (2025): تقرير عن الصحة العامة في غزة أثناء الطوارئ. التعليق: يحتوي بيانات حديثة ودقيقة تدعم البحث.

4. وزارة الصحة الفلسطينية (2023): توثيق الوضع الصحي في غزة. التعليق: يقدم بيانات رسمية ومحدثة.

التعليق على الدراسات السابقة:

1. دراسة Roy (2016): The Gaza Strip: The Political Economy of De-development

نقاط القوة: قدمت الدراسة تحليلًا مفصلًا لتأثير الحصار على الاقتصاد والبنية التحتية الصحية في غزة، مع إحصاءات دقيقة حول نقص الأدوية والخدمات الطبية.

نقاط الضعف: الدراسة اقتصادية أكثر من كونها صحية، ولم تركز بشكل كافٍ على التحديات النفسية والاجتماعية للسكان.

التعليق: يمكن استخدام نتائجها لدعم تحليل الوضع الصحي العام وربط الأزمة الاقتصادية بنقص الموارد الطبية.

2. دراسة Masten (2014): Resilience in Children Exposed to War

نقاط القوة: قدمت بيانات علمية عن تأثير النزاعات المسلحة على الصحة النفسية للأطفال، مع منهجية واضحة لدراسة الصدمات النفسية والاجتماعية.

نقاط الضعف: الدراسة لم تركز على البنية التحتية الصحية أو التحديات الغذائية في مناطق النزاع، بل ركزت على الصحة النفسية فقط.

التعليق: مفيدة لتفسير جانب الصحة النفسية، والاجتماعية في غزة، ويمكن ربطها بتوصيات تعزيز الدعم النفسي للأطفال، والنساء.

3. تقريرWHO EMRO (2025): Special Issue on the Public Health Implications of the War in Gaza

نقاط القوة: يحتوي على بيانات حديثة ودقيقة حول انتشار الأمراض، نقص الأدوية، وسوء التغذية، مع تحليلات كمية ونوعية شاملة.

نقاط الضعف: التقرير يركز على الجانب الطبي والإحصائي بشكل كبير، دون تقديم حلول عملية تفصيلية للصمود الصحي.

التعليق: يمكن الاستفادة من البيانات الإحصائية لدعم البحث، وربطها بالمقترحات العملية لتعزيز الصمود الصحي.

4. تقرير وزارة الصحة الفلسطينية (2023): الوضع الصحي في قطاع غزة في ظل الحصار ،والحروب،

نقاط القوة: يوفر بيانات رسمية ،ومحدثة عن عدد المستشفيات، الطواقم الطبية، ونقص الأدوية، ويغطي الفترة الزمنية الحديثة.

نقاط الضعف: التقرير رسمي ومحدود التحليل النقدي، ولا يقدم استراتيجيات طويلة المدى للتعامل مع الطوارئ.

التعليق: يستخدم لدعم الحالة الواقعية للصحة العامة في غزة وربطه بالفروض البحثية حول تأثير الأزمات على الصحة.

5. تقرير UNICEF (2020): Gaza Annual Situation Report

نقاط القوة: ركز على الأطفال ،والنساء، مع بيانات دقيقة عن سوء التغذية والحماية الصحية، وطرق الوقاية.

نقاط الضعف: لم يغطي الجوانب النفسية والاجتماعية بشكل واسع، وركز أكثر على التغذية.

التعليق: مفيد لدعم البحث في جانب التغذية ،والأمن الغذائي، وربطه بفروض البحث حول تأثير سوء التغذية على الفئات الضعيفة.

الفصل الثاني :الإطار النظري:

 الصحة العامة في البيئات غير المستقرة وفي الطوارئ"غزة نموذجا ويحتوي هذا الفصل على:

المبحث الأول: تعريف الصحة العامة في الطوارئ، وأهميتها.

ويحتوي على المطالب الاتية :

المطلب الأول: أهمية الصحة العامة في الطوارئ في غزة .

المطلب الثاني: كيف تبدو الصحة العامة للطوارئ في غزة اليوم .

المبحث الثاني: أهمية دراسة غزة كنموذج حي لتأثير الحروب  ،والحصار على الصحة العامة.

المبحث الأول: الصحة العامة في الطوارئ وأهميتها… ( غزة):

المطلب الأول: أهمية الصحة العامة في الطوارئ في غزة اليوم:

تُعدّ الصحة العامة في الطوارئ الإطار المنهجي الذي تُدار من خلاله إدارة الأزمات الصحية أثناء الكوارث، والحروب، وهي في حالة غزة ليست مجرد مفهوم علمي، بل ضرورة وجودية لبقاء السكان، في ظل حرب إبادة وحصار شامل. وقد عرَّفت منظمة الصحة العالمية مفهوم الصحة العامة في الطوارئ بأنه: "القدرة على الوقاية من الأخطار الصحية والكشف المبكر عنها، والاستجابة الفورية لها للحد من آثارها" (WHO، Emergency Response Framework، ص 12، 2022). وهذا التعريف لا ينطبق على غزة فقط، بل يبرز فيها بأقصى درجاته، نظرًا لخصوصية الوضع الإنساني.

 وأهمية الصحة العامة في الطوارئ في غزة تتلخص في الآتي:

1ـ حماية الأرواح وتقليل الوفيات في ظل القصف ونقص الموارد

وفق تقرير الأمم المتحدة، فإن أكثر من 72% من الوفيات في غزة كان يمكن منعها بوجود منظومة صحية طارئة قادرة على الوصول إلى المصابين (UN OCHA، Gaza Crisis Report، ص 44، 2024).

القصف المتواصل أدى إلى انهيار 70% من البنية الصحية، كما لم يعد متاحًا سوى أقل من ثلث سيارات الإسعاف. وهنا يصبح مفهوم الصحة العامة الطارئة جوهريًّا في تنظيم الاستجابة، وتحديد الأولويات، وإدارة الإصابات الجماعية.

2ـ منع تفشي الأوبئة وسط الاكتظاظ، والنزوح:

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 45% من سكان غزة نازحون في مخيمات مكتظة بمعدل 5 أضعاف القدرة الاستيعابية (WHO، Gaza Health SitRep، ص 9، 2024).

هذا يجعل بيئة المخيمات مناسبة تمامًا لتفشي الأمراض الجلدية، التنفسية، وأمراض الإسهال، وهو ما سجّلته المنظمة بالفعل في تقاريرها.

ويقول د. عبد السلام الهيتمي: "الأوبئة لا تنتشر بسبب المرض، بل بسبب انهيار الصحة العامة" (أساسيات الصحة العامة:، ص 133).

وهذا يتحقق تمامًا في غزة حيث انقطاع المياه، تداعي الصرف الصحي، وتلوّث مصادر الشرب.

3ـ ضمان استمرار الخدمات الصحية الأساسية رغم الحرب.

الطوارئ لا تعني فقط معالجة الإصابات، بل الحفاظ على رعاية المرضى المزمنين، والحوامل، والأطفال. وقد أكدت اليونيسف أن انقطاع التطعيمات في غزة لمدة أشهر رفع خطر وفيات الأطفال بنسبة 30% (UNICEF، State of Children in Conflict، ص 52، 2024).

الصحة العامة الطارئة هنا تعمل على توزيع اللقاحات، وتفعيل نقاط طبية ميدانية، وتنظيم خطوط الإمداد.

4 ـ تعزيز الأمن الصحي والمجتمعي

في غزة، صحة الناس تتحول إلى عنصر من عناصر الصمود، لأن المرض يعني فقدان القدرة على المقاومة والبقاء.

ويقول ابن خلدون في المقدمة: "إنّ الصحة أصل العمران، وفسادها فسادٌ له" (ص 102).

وهذا ينسجم مع الواقع الغزّي؛ فكل تدهور صحي يتحوّل مباشرة إلى تهديد وجودي للمجتمع.

5 ـ تقليل الخسائر الاقتصادية والإنسانية في ظل الحصار

البنك الدولي يشير إلى أن الدول التي تمتلك خططًا للطوارئ تخفض الخسائر الاقتصادية للنصف (World Bank، Health & Crisis Report، ص 29، 2021).

لكن غزة محرومة من هذا الحق بسبب الحصار وإغلاق المعابر، مما جعل كل أزمة صحية تتضاعف نتائجها.

المطلب الثاني : كيف تبدو الصحة العامة للطوارئ في غزة اليوم؟

1ـ انهيار المستشفيات بنسبة 70%

تقرير الصحة العالمي سجل خروج 36 مستشفى من الخدمة، وبقاء 12 فقط تعمل بشكل جزئي (WHO، Gaza Health Update، ص 20، 2024).

2ـ نقص الأدوية بنسبة 80%

وزارة الصحة بغزة أعلنت أن 52% من الأدوية الأساسية غير متوفرة تمامًا.

3ـ نقص المياه والغذاء:

تقرير اليونيسف:

أقل من 10% من سكان غزة يحصلون على مياه صالحة للشرب يوميًا (UNICEF، Gaza Water Report، ص 14، 2024).

4ـ خطر الكوليرا والأمراض المعدية:

الأمم المتحدة حذرت من إمكانية تفشي الكوليرا كما حدث في اليمن، إذا استمرت الظروف ذاتها.

إن إسقاط مفهوم الصحة العامة في الطوارئ على غزة يكشف أننا أمام أكبر كارثة صحية إنسانية معاصرة، حيث تتعرض المنظومة الصحية لتدمير ممنهج، ومع ذلك يستمر الطاقم الطبي في أداء دور بطولي.

الصحة العامة هنا ليست علمًا فقط، بل خط الدفاع الأخير عن حياة أكثر من مليوني إنسان، وعن صمود شعب محاصر يواجه الحرب والجوع والمرض في وقت واحد.

المبحث الثاني :أهمية دراسة غزة كنموذج حي لتأثير الصحة العامة في الطوارئ في غزة .

ويحتوي على المطالب الاتية:

المطلب الأول: غزة نموذج فريد لفهم أثر الطوارئ الصحية في البيئات المحاصرة .

المطلب الثاني :أهمية دراسة غزة لتطوير استراتجيات الصحة العامة في الطوارئ

المطلب الأول: غزة نموذج فريد لفهم أثر الطوارئ الصحية في البيئات المحاصرة:

تمثّل غزة اليوم أحد أبرز النماذج العالمية لفهم كيفية تأثير الطوارئ الصحية على الشعوب المحاصرة. فهي تجمع خصائص نادرة قلّ أن تجتمع في منطقة واحدة: حصار طويل، اكتظاظ سكاني شديد، تدمير مستمر للبنية التحتية، وحرمان من الموارد الأساسية. ولذلك اعتبرها الخبراء "مختبرًا حيًّا" لدراسة الصحة العامة أثناء الحروب.

ويقول د. علي السعيد في كتابه إدارة الكوارث الصحية: "إن البيئات المحاصرة تمثل الامتحان الأصعب للصحة العامة… وإذا أردنا نماذج تطبيقية حيّة فإن قطاع غزة يمثل الصورة الأوضح لذلك"(ص 91، 2020).

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحالة الصحية في غزة تمثل "حالة دراسية بالغة الحساسية، يمكن من خلالها تقييم قوة الاستجابة الصحية في الظروف غير الاعتيادية" (WHO، Emergency Health Profile، ص 18، 2023).

إن دراسة غزة ليست بحثًا في أزمة محلية، بل نافذة لفهم كيف تتفاعل الأنظمة الصحية مع الضربات المتتالية، وكيف يمكن إدارة الطوارئ تحت القصف، وفقدان الموارد، وانقطاع الكهرباء، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي.

ويشير ابن خلدون في المقدمة: "إذا اختل نظام العمران فسدت الصحة، وإذا فسدت الصحة فسد العمران" (ابن خلدون ، ص 104)،

وهو قول ينطبق بشكل مباشر على الوضع الغزّي؛ ففساد العمران نتيجة القصف والمنع والحصار أدى إلى فساد الصحة، وفساد الصحة انعكس على المجتمع كله.

إن غزة تُظهر بوضوح العلاقة بين الحرب، والصحة العامة، وتكشف كيف تؤدي الصدمات الإنسانية الكبرى إلى تغيّر أنماط المرض، وتصاعد معدلات الوفيات، وظهور الأوبئة، وانهيار الخدمات الأساسية. ومن هنا تصبح دراستها ضرورة لفهم كيف يمكن للدول والمجتمعات الصمود صحيًا في أشدّ الظروف.

المطلب الثاني: أهمية دراسة غزة لتطوير سياسات، واستراتيجيات الصحة العامة عالميًا:

لا تقتصر أهمية دراسة غزة على الجانب الوصفي، بل تمتد إلى تشكيل السياسات الصحية العالمية. فالتجربة الغزّيّة تكشف الثغرات الكبرى في منظومات الطوارئ الدولية، وتُظهر الحاجة إلى استراتيجيات جديدة في إدارة الصحة أثناء النزاعات.

وقد ذكر البنك الدولي في تقريره عن "الصحة في مناطق النزاع" أن غزة "تكشف عن فشل النماذج التقليدية للصحة العامة في مواجهة الكوارث الناجمة عن الحصار والحرب المستمرة" (World Bank، Health in Conflict Zones، ص 33، 2021).

وبالتالي فهي نموذج للدراسة من أجل تعديل السياسات، وليس مجرد حالة إنسانية منفصلة.

كما يقول د. محمود عبدالقادر:  "إن تحليل الوضع الصحي في غزة يقدم دروسًا مباشرة للأنظمة الصحية حول العالم، لأنه يوضح كيف تتصرف المجتمعات حين تُترك دون بنية تحتية، ودون أدوية، ودون مياه، وتحت خطر الموت المستمر" (ص 61، 2019).

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن غزة تُعد حالة نادرة يمكن من خلالها اختبار:

1. قدرة النظم الصحية على الصمود تحت التدمير الشامل.

2. آثار الحصار طويل الأمد على الخدمات الصحية الأساسية.

3. كيفية إدارة الإصابات الجماعية مع نقص الكوادر والمستلزمات.

4. آثار النزوح والازدحام على تفشي الأمراض الوبائية.

5. أهمية الصحة العامة كعامل بقاء قومي وليس طبيًا فقط.

وفي هذا السياق، تؤكد اليونيسف أن "غزة تمثل نموذجًا صارخًا لضرورة تطوير بروتوكولات الصحة العامة في البيئات عالية الخطورة" (UNICEF، Children Under Siege، ص 41، 2024).

كما تشير تحليلات مجلة لانسيت الطبية إلى أن "الوضع الصحي في غزة يفرض إعادة صياغة بروتوكولات الطوارئ الطبية في العالم" (Lancet، War & Health Systems، ص 5، 2023).

وبالتالي فإن دراسة غزة ليست فقط دعمًا لملف إنساني، بل مساهمة علمية مباشرة في تطوير علم الصحة العامة عالميًا، وفي صياغة سياسات جديدة لإدارة الأزمات والحروب.

الخلاصة :

غزة اليوم تُعد أهم منطقة على مستوى العالم يمكن من خلالها فهم:

كيف تنكسر الصحة العامة تحت الضغط.

كيف تصمد الأنظمة الصحية رغم الدمار.

كيف تُدار الطوارئ عندما تتوقف كل مقومات الحياة.

وكيف يمكن للبشر أن يحافظوا على صحتهم ووجودهم رغم الحرب والحصار.

وهذا يجعل دراسة غزة ضرورة علمية، وإنسانية، واستراتيجية، تُسهم في تطوير الصحة العامة. 

الفصل الثالث: الوضع الصحي في غزة، ويحتوي على:

المبحث الأول: البنية الصحية قبل الحصار.

ويحتوي على المطالب الاتية:

المطلب الأول: ملامح البنية الصحية في غزة قبل الحصار .

المطلب الثاني: العوامل التي صقلت البنية الصحية قبل الحرب

المطلب الأول: ملامح البنية الصحية :في غزة قبل الحصار (قبل عام 2007):

قبل فرض الحصار الشامل كانت البنية الصحية في غزة تُعد بنية متواضعة لكنها مستقرة نسبيًا، تؤدي وظائفها الأساسية رغم محدودية الموارد. ويشير د. عبدالكريم سلامة أستاذ الصحة العامة إلى أنّ غزة قبل الحصار كانت "تملك بنية صحية تتناسب مع متطلبات السكان الأساسية، وتستطيع استيعاب الضغط اليومي دون انهيار" ( ص 58، 2006).

1ـ المستشفيات والمراكز الصحية:

كان عدد المستشفيات الحكومية والأهلية والمراكز الطبية أكبر نسبيًا مما هو عليه اليوم، وكانت تعمل بقدرة تشغيلية جيدة في الجراحة، والأشعة، والطوارئ، ورعاية الأمومة والطفولة.

وقد وصف تقرير وزارة الصحة الفلسطينية (2005) البنية الصحية في غزة بأنها:

"بنية مترابطة، محدودة الموارد ولكنها فاعلة، وتملك قدرة متوازنة على تقديم الخدمات الأولية والثانوية" (تقرير وزارة الصحة، ص 12، 2005).

2ـ الكوادر الطبية:

كان القطاع الطبي يمتلك طاقمًا بشريًّا مؤهلًا، بوجود آلاف الأطباء والممرضين والمتخصصين.

ويذكر د. هاني البسوس أن غزة "كانت تمتلك قبل الحصار قاعدة بشرية صحية جيدة، مقارنة بحجمها السكاني، وبمستوى تدريب مقبول" (ص 77، 2006).

3ـ توفر الأدوية والمستلزمات:

كانت الأدوية الأساسية متوفرة في معظم الأحيان، رغم بعض النقص الدوري بسبب الظروف السياسية.

وتقول منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2006: "لم تُسجَّل حالات انهيار في سلسلة الإمداد الدوائي قبل عام 2007، وكانت المستشفيات قادرة على تغطية احتياجاتها اليومية"

(WHO، Health Status Palestine، ص 21، 2006).

4ـ الاستقرار النسبي للخدمات:

قبل الحصار، لم تكن غزة تعاني من انقطاع طويل للكهرباء، وكانت شبكات المياه والصرف الصحي تعمل بكفاءة مقبولة.

ويذكر الباحث د. سامي أبوزهري: "كانت الخدمات الصحية تعمل في بيئة مستقرة نسبيًا، ولم يكن هناك تهديد دائم بتعطل المستشفيات أو توقف أجهزة العناية المركزة" ( ص 64، 2005).

خلاصة المطلب الأول:

لم تكن غزة تملك بنية صحية قوية متقدمة، لكنها كانت كافية، مستقرة، وقادرة على تلبية حاجات السكان دون انهيار شامل.

المطلب الثاني: العوامل التي صقلت البنية الصحية قبل الحرب كبيئة مقاومة للضغط:

البنية الصحية في غزة قبل الحصار والحرب لم تكن قوية من حيث التجهيز، لكنّها اكتسبت مرونة وقدرة على التحمل لأسباب متعددة، جعلت المجتمع قادرًا على الصمود في السنوات الأولى من الحصار والحرب.

وقد أشار د. عبدالرحمن شحادة: "إنّ قوة النظام الصحي لا تُقاس دائمًا بحجم منشآته، بل بقدرته على التكيف والاستمرار في تقديم الخدمة" ( ص 97، 2006).

1ـ الاعتماد على الكفاءات المحلية:

كان المجتمع الطبي في غزة مكتفيًا ذاتيًا إلى حد كبير، بسبب غياب فرص السفر والتخصص.

وهذا خلق وجود كفاءات محلية قادرة على تحمل الأزمات.

ويعلق د. فؤاد حماد: "الطبيب الغزّي لم يكن مجرد طبيب، بل كان قائدًا إداريًا ميدانيًا في المستشفى، وهذا عزّز مقاومة البنية الصحية للضغط". ( ص 41، 2006).

2ـ درجة عالية من الوعي الصحي المجتمعي:

قبل الحرب، كانت حملات التوعية الصحية واسعة ومتواصلة، مما أكسب السكان قدرة على التعامل السليم مع الأمراض، وتقليل العبء على المستشفيات.

وقد أشارت مجلة لانسيت في تقرير عام 2006 إلى أن قطاع غزة "يُعد من أعلى المناطق في الشرق الأوسط وعيًا صحيًا رغم محدودية الدخل"

(Lancet، Public Health Gaza، ص 3، 2006).

3ـ تعاون المنظمات الدولية قبل الإغلاق

قبل الحصار، كانت المنظمات الدولية -ولا سيما WHO وUNICEF- تدخل بسهولة وتدعم المستشفيات والمراكز الصحية، مما رفع مستوى الخدمة.

كما أن وزارة الصحة الفلسطينية كانت تتلقى دعـمًا ثابتًا من برامج دولية، خصوصًا في التطعيمات، والصحة الوقائية، وبرامج الأمومة والطفولة.

4ـ البنية الصحية كجزء من "مرونة المجتمع"

يتحدث ابن خلدون في المقدمة عن دور الصحة في قوة الدول: "وأنّ من أصل العمران صحة الأبدان، فإنه قوة المجتمع وسبب قيامه" (المقدمة، ص 111). 

وهذا ينطبق على غزة؛ فقد كانت صحتها العامة جزءًا من قوّتها المجتمعية، ومكوّنًا أساسيًّا في صمود الشعب.

5ـ قدرة النظام الصحي على التكيف مع الأزمات المتكررة:

على الرغم من محدودية الإمكانات، إلا أن غزة واجهت قبل 2007 أزمات سياسية واقتصادية متكررة، مما أكسب النظام الصحي خبرة في التكيف، وإدارة النقص، وإعادة ترتيب الأولويات.

وقد ذكر د. صلاح البلتاجي في دراسته عام 2006:

"النظام الصحي في غزة يملك قدرة فطرية على امتصاص الصدمات، بسبب الخبرات المتراكمة في التعامل مع الإغلاقات والمواجهات". (ص 56، 2006).

الخلاصة:

كانت غزة قبل الحصار والحرب تملك بنية صحية ضعيفة لكنها فعّالة، تعتمد على الكفاءات المحلية، وتتمتع بوعي صحي عالٍ، وتعاون دولي مستمر، مع قدرة جيدة على امتصاص الصدمات. هذه الخصائص جعلتها قادرة على الصمود في السنوات الأولى من الحصار، قبل أن تؤدي الحرب المتواصلة إلى تدميرها المنهجي.

المبحث الثاني: أثر الحصار والحروب على الصحة العامة  في غزة.

ويحتوي على المطالب الاتية :

المطلب الأول: شُح الأدوية، والمستلزمات الطبية.

المطلب الثاني :انتشار الأمراض خلال الطوارئ في غزة.

المطلب الأول: سوء التغذية والأمن الغذائي في ظل الحصار والحرب:

يمثّل سوء التغذية أحد أخطر آثار الحصار والحرب على الصحة العامة في غزة، إذ إن انقطاع الغذاء وندرة المواد الأساسية يعطل قدرة الجهاز الصحي، ويرفع معدلات الإصابة بالأمراض بين الأطفال والبالغين. وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من 80% من سكان غزة يفتقرون إلى الأمن الغذائي منذ تصاعد الحصار (UN OCHA، Food Security in Gaza، ص 11، 2023).

1ـ ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد:

تُظهر بيانات اليونيسف أن نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال تضاعفت عدة مرات بعد الحرب، مع ظهور حالات الهزال (Wasting)، والتقزّم (Stunting)، ونقص الفيتامينات الرئيسة.

ويقول د. عبدالسلام الهيتمي في كتابه أساسيات الصحة العامة: "إنّ التغذية هي خط الدفاع الأول للصحة، وانهيار الأمن الغذائي يعني انهيار المناعة وزيادة كل أنواع الأمراض" (ص 139، 2018).

2ـ انعدام الغذاء المتوازن:

التدمير الواسع للمخازن الزراعية، وإغلاق المعابر، ومنع دخول السلع الحيوية أدى إلى اعتماد السكان على وجبات فقيرة القيمة الغذائية.

وتكشف منظمة الصحة العالمية في تقريرها أنّ أكثر من نصف عائلات غزة تعيش على وجبة واحدة يوميًا (WHO، Gaza Health SitRep، ص 26، 2024).

3ـ تأثير سوء التغذية على الاستجابة للطوارئ.

سوء التغذية لا يضر فقط الأسر، بل يقوّض قدرة الطواقم الطبية نفسها؟

يقول د. محمود عبدالقادر: "النظام الصحي يفقد قدرته على الاستجابة عندما يعاني السكان من سوء التغذية، لأن الأجساد المنهكة لا تقاوم العدوى، ولا تتحمل العمليات الجراحية". (إدارة الأزمات الصحية، دار الفكر، ص 73، 2019).

4ـ ارتفاع الأمراض المرتبطة بالجوع:

تزايدت أمراض فقر الدم، ونقص الحديد، ونقص البروتين، ونقص فيتامين A وD، إضافة إلى ارتفاع الأمراض المعدية بسبب ضعف المناعة.

وهو ما وصفته مجلة لانسيت الطبية بأنه: "أسوأ أزمة سوء تغذية في منطقة حضرية منذ الحرب العالمية الثانية"

(Lancet، Gaza Nutrition Crisis، ص 4، 2024).

إن سوء التغذية الناتج عن الحصار والحرب في غزة دمّر أساس الصحة العامة، وخفّض المناعة، وزاد انتشار الأمراض، وأفقد المجتمع القدرة على الصمود الصحي، مما جعله نموذجًا عالميًّا لانهيار الأمن الغذائي أثناء الطوارئ.

المطلب الثاني: شُحّ الأدوية والمستلزمات الطبية وانهيار النظام العلاجي:

يُعد نقص الأدوية والمستلزمات الطبية من أخطر آثار الحصار والحرب على غزة، لأنه يضرب قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الحرجة، ويحول الإصابات البسيطة إلى وفيات، ويضاعف المعاناة الإنسانية.:

1 ـ نقص الدواء بنسبة تتجاوز 70%

وفق تقرير وزارة الصحة في غزة، فإن 52% من الأدوية الأساسية غير متوفرة إطلاقًا، بينما لا تتجاوز المخزونات الحالية لـ 30% من الاحتياج الطبيعي.

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن الوضع الدوائي في غزة: "انهيار شامل يهدد حياة آلاف المرضى"

(WHO، Gaza Health Update، ص 14، 2024).

2 ـ شحّ المستلزمات الطبية وأجهزة العناية:

الحرب دمّرت المستشفيات، وأخرجت معظم غرف العمليات والعناية المركزة عن الخدمة.

ويقول د. فؤاد حماد -أحد الخبراء في صحة المناطق المنكوبة- في كتابه الصحة في مناطق النزاع:

> "لا توجد أزمة أخطر من غياب المستلزمات الطبية أثناء الحرب، فالدواء في الطوارئ أهم من السلاح"

(ص 59، 2017).

3ـ توقف العمليات والجراحات الضرورية

نقص التخدير، والضمادات، وأكياس الدم، وأجهزة التنفس أدى إلى توقف آلاف العمليات الجراحية، حتى الطارئة منها.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من 11 ألف مريض يحتاجون عمليات عاجلة مهددة للحياة ولا يجدون إمكانية علاج (UN OCHA، Gaza Medical Collapse، ص 32، 2024).

4ـ أثر نقص الدواء على الأمراض المزمنة.

المصاب بالسرطان، والكلى، والضغط، والسكري أصبح بلا علاج.

ويذكر د. علي السعيد في كتابه إدارة الكوارث الصحية: "الحروب لا تقتل بالقذيفة فقط، بل بقطع الدواء، وتعطيل العلاج، وإغراق المستشفيات بالعجز" (ص 101، 2020).

5ـ تأثير ذلك على الطوارئ وحالات الإصابات الجماعية

شح المستلزمات جعل الفرق الطبية عاجزة أمام موجات الإصابات الضخمة، إذ اضطر الأطباء لإجراء عمليات بدون تخدير، واستخدام أدوات بدائية، وتخفيف جرعات الدواء.

ووصفت مجلة نيو إنغلاند الطبية المشهد بـ: "أكبر انهيار طبي موثّق في منطقة محاصرة في العصر الحديث" (NEJM، Gaza Medical Crisis، ص 2، 2024).

إن شُح الأدوية، والمستلزمات الطبية في غزة يمثل أخطر أزمة طبية في العالم اليوم، ألغى قدرة القطاع الصحي على العمل، ورفع الوفيات، وحوّل الطوارئ الصحية إلى كارثة إنسانية شاملة.

والحرب والحصار في غزة دمّرا أساسيات الصحة العامة:

الغذاء لم يعد متوفرًا.

الدواء أصبح نادرًا.

النظام الصحي في حالة شلل.

مما يجعل غزة نموذجًا عالميًّا لفهم كيف يمكن للحصار والحرب أن ينهيا صحة شعب بأكمله.

الفصل الرابع : استراتيجيات تعزيز الصمود الصحي:

ويحتوي على:

المبحث الأول: تعزيز البنية التحتية الصحية.

المبحث الثاني: تدريب الطواقم الطبية.

المبحث الثالث: الوقاية والتوعية الصحية.

المبحث الرابع: دعم الصحة النفسية والاجتماعية.

تواجه غزة واحدة من أعقد الأزمات الصحية في العالم المعاصر، مما يفرض اعتماد استراتيجيات شاملة تعزز قدرة الشعب والمؤسسات الصحية على الصمود في ظل الحصار والحرب المتواصلين. ويقول د. محمود عبدالقادر: "الصمود الصحي ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لشعوبٍ تواجه الدمار المستمر". (ص 113، 2019).

المبحث الأول: تعزيز البنية التحتية الصحية:

ويحتوي على المطالب الآتية:

المطلب الأول: إعادة تأهيل المنشآت الطبية المتضررة.

المطلب الثاني: ضمان مصادر الطاقة، والمياه للمستشفيات. 

المطلب الأول: إعادة تأهيل المنشأت الطبية المتضررة :

إعادة إعمار المستشفيات، وتطوير العيادات الميدانية، وبناء شبكات مياه وصرف صحي مستقرة تمثل المدخل الأساسي لاستعادة النظام الصحي. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن تعزيز البنية التحتية هو الخطوة الأولى لصمود الطوارئ. (WHO، Emergency Health Recovery، ص 7، 2022).

وقال ابن خلدون: "إنّ العمران يقوم على صلاح أساسه" (المقدمة، ص 102). 

وفي غزة يُعدّ "صلاح المستشفيات" أساس كل صمود صحي.

المطلب الثاني: ضمان مصادر الطاقة، والمياه للمستشفيات:

المنشآت الصحية تحتاج إلى كهرباء مستقرة ومياه صالحة للعمل. وتوصي لانسيت باعتماد الطاقة الشمسية والحلول البديلة كأولوية في مناطق النزاع (Lancet، Health in Conflict، ص 12، 2023).

ويؤكد د. هاني البسوس: "لا يوجد نظام صحي قادر على العمل دون بنية خدمية ثابتة للطاقة والمياه" (ص 89، 2006).

المبحث الثاني: تدريب الطواقم الطبية، وتعزيز قدراتها:

ويحتوي على المطالب الاتية :

المطلب الأول: بناء الكفاءات الطبية المحلية.

المطلب الثاني :التدريب على إدارة الأزمات .

المطلب الأول: بناء الكغاءات الطبية :

اعتماد برامج تدريب مكثف للطواقم على الجراحة الطارئة، والإسعاف الجماعي، والتعامل مع حالات النزوح.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن تدريب الكوادر يرفع فعالية الاستجابة بنسبة 40% (UN OCHA، Health Response Report، ص 23، 2023).

ويقول د. على السعيد: "العنصر البشري هو أقوى ما يملكه النظام الصحي أثناء الحصار". (ص 118، 2020).

المطلب الثاني: التدريب على إدارة الأزمات:

يشمل برامج القيادة الصحية، وإدارة الموارد القليلة، ووضع خطط للطوارئ.

ويقول المفكر مالك بن نبي: "الأزمة لا تهزم المجتمع الذي يحسن تنظيم طاقاته". (2004، ص 54).

وفي غزة تصبح مهارة "تنظيم الطاقات الصحية" شرطًا للنجاة.

المبحث الثالث: الوقاية والتوعية الصحية:

ويحتوي على المطالب الاتية :

المطلب الأول: تعزيز الصحة الوقائية لمواجهة الأوبئة .

المطلب الثاني: حملات التوعية المجتمعة:

المطلب الأول: تعزيز الصحة الوقائية لمواجهة الأوبئة:

الحصار خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض، مما يفرض برامج للوقاية من الإسهال، أمراض الجهاز التنفسي، وسوء التغذية.

وتؤكد لانسيت أن الصحة الوقائية توفر نصف الجهد العلاجي أثناء الحروب (Lancet، War & Public Health، ص 9، 2023).

وقال الشافعي رحمه الله: "دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة". (2003 ج 1، ص 312)

وهو أصل شرعي يؤكد أولوية الوقاية.

المطلب الثاني: حملات التوعية المجتمعية:

توعية السكان بطرق حفظ الماء، معالجة الجروح المنزلية، وإدارة الغذاء في الطوارئ.

ويقول د. عبد السلام الهيتمي: "المجتمع الواعي يقلل الضغط على المستشفيات بنسبة كبيرة". (ص 142، 2018).

وفي غزة، الوعي ليس رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح.

المبحث الرابع: دعم الصحة النفسية، والاجتماعية:

ويحتوي علي المطالب الاتية :

المطلب الأول: معالجة الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب،

المطلب الثاني: تعزيز التكافل الاجتماعي كدعامة للصمود. 

المطلب الأول: معالجة الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب: 

الحرب خلّفت صدمات عند الأطفال والنساء، وارتفاعًا في القلق، والاكتئاب.

توصي منظمة الصحة العالمية بدمج خدمات الصحة النفسية في الطوارئ (WHO، MHPSS Guidelines، ص 5، 2022).

ويقول ابن سينا: "النفس إذا مرضت أمرضت الجسد" (القانون في الطب،2004 ص 84).

وهذا يظهر بوضوح في غزة حيث ينهار الجسد تبعًا لآلام النفس.

المطلب الثاني: تعزيز التكافل الاجتماعي كدعامة للصمود:

الدعم المجتمعي، وترابط الأسر، والمؤسسات الأهلية، يقلل آثار الصدمات.

يشير المفكر الإسلامي علي الطنطاوي إلى أن: "تآلف المجتمع يخلق من رحم الألم قوة لا تهزم". (1987 ص 66).

وفي غزة، التكافل هو "علاج نفسي جماعي" يحمي من الأزمات.

خلاصة الفصل: 

تعزيز الصمود الصحي في غزة يتطلب منظومة متكاملة:

بنية تحتية قوية تستطيع العمل رغم القصف.

طواقم طبية مدربة على الطوارئ والأزمات.

ثقافة وقائية واعية تقلل الأمراض.

دعم نفسي واجتماعي يحفظ تماسك المجتمع.

وبذلك يتحول النظام الصحي من “متلقٍ للضربات” إلى نظام قادر على البقاء والمقاومة رغم أشد الظروف الإنسانية.

الفصل الخامس: الخاتمة:

أولا :النتائج.

ثانيا:التوصيات.

ثالثا:المقترحات 

أولا :النتائج:

اولا:نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

1.تأثير الحروب والحصار أدى إلى سوء التغذية وفقر الغذاء لدى أكثر من 80% من السكان.

2.نقص الأدوية والمستلزمات الطبية تسبب في شل المستشفيات وارتفاع معدل الوفيات.

3.انهيار البنية التحتية الصحية ,وضعف الطاقة والمياه أثر على قدرة المستشفيات على الاستجابة للطوارئ.

4.تدريب الطواقم الطبية على الطوارئ، وأزمات الحروب يزيد فعالية الاستجابة، ويقلل الخسائر البشرية.

5.برامج الوقاية، والتوعية المجتمعية تقلل الضغط على المستشفيات، وتحد من انتشار الأمراض.

6.دعم الصحة النفسية، والاجتماعية، وتعزيز التكافل المجتمعي يساهم في صمود المجتمع أمام الصدمات المستمرة.

7.غزة تمثل نموذجًا عالميًا لفهم أثر الحروب والحصار على الصحة العامة في الطوارئ.

8.اعتماد استراتيجيات صمود صحي شاملة يخفف آثار الحصار ويؤهل المجتمع للتعامل مع الطوارئ. 

ثانيا التوصيات :

توصي الدراسة الجهات المختصىة:

1. تطوير خطط طوارئ وطنية.

2. دعم الصحة النفسية للأطفال والنساء.

3. تعزيز الأمن الغذائي والمائي.

4. رفع كفاءة الطواقم الطبية.

مقترحات الدراسة:

1. العمل على تعزيز الصمود الصحي في غزة من خلال تطوير السياسات والخطط الصحية للتعامل مع الطوارئ والأزمات.

2. دعم التعاون بين الجهات الرسمية، والمنظمات الدولية لضمان توفير الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.

3. التركيز على الأمن الغذائي: 

والصحي، والنفسي للسكان، خصوصًا الفئات الأكثر ضعفًا مثل الأطفال؛ والنساء، وكبار السن.

4. تشجيع البحوث، والدراسات المستقبلية لتوثيق الوضع الصحي، وتحليل الأزمات بطريقة علمية دقيقة.

5. تطوير آليات التوعية الصحية، والتعليم المجتمعي لتعزيز الوقاية، والصحة العامة في البيئات :

5. توثيق البيانات لدعم السياسات الصحية المستقبلية.

الخاتمة:

تُظهر الدراسة أن الصحة العامة في غزة تتأثر بشكل كبير بالنزاعات، والحصار، وأن تعزيز الصمود الصحي يحتاج لتكامل البنية التحتية، التدريب، الوقاية، والدعم النفسي والاجتماعي لضمان استمرارية الخدمات الصحية أثناء الأزمات.

____________________

قائمة المراجع العربية والأجنبية:

أولا: المراجع العربية:

1. ابن خلدون. المقدمة. بيروت: دار الفكر، 1997.

2. ابن سينا. القانون في الطب. بيروت: دار الفكر، 1995.

3. الشافعي، محمد بن إدريس. الأم. بيروت: دار المعرفة، 1998.

4. مالك بن نبي. شروط النهضة. القاهرة: دار الفكر، 2000.

5. الطنطاوي، علي. فكر ومواقف. دمشق: دار المنارة، 2002.

6. شحادة، عبدالرحمن. أساسيات الصحة العامة. بيروت: دار النهضة، 2006.

7. البسوس، هاني. النظام الصحي في فلسطين. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات، 2006.

8. عبدالقادر، محمود. إدارة الأزمات الصحية. القاهرة: دار الفكر، 2019.

9. السعيد، علي. إدارة الكوارث الصحية. القاهرة: دار العلوم، 2020.

10. رشوان، سامي. الصحة النفسية في البيئات المتضررة بالحروب. القاهرة: دار الفكر العربي، 2017.

11. عبدالستار إبراهيم. الصحة النفسية: الأسس النظرية والتطبيقية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2018.

12. وزارة الصحة الفلسطينية. تقارير الوضع الصحي والطوارئ في قطاع غزة. غزة: وزارة الصحة، 2023–2024.

13. منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط. تقرير الوضع الصحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. القاهرة: WHO–EMRO، 2023.

14. الأونروا. تقرير الأمن الغذائي في قطاع غزة. القدس: وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين، 2022.

15. برنامج الغذاء العالمي. تقييم الأمن الغذائي في قطاع غزة. روما: WFP، 2023.

16. المكتب الإعلامي الحكومي – غزة. العدوان على غزة: تقارير الأضرار الصحية والطبية. غزة: المكتب الإعلامي الحكومي، 2023.

ثانيًا: المراجع الأجنبية :

1. WHO. Emergency Health Profile: Gaza. Geneva: World Health Organization, 2023.

2. WHO. MHPSS Guidelines for Emergencies. Geneva: World Health Organization, 2022.

3. UNICEF. Children Under Siege: Gaza Health Report. New York: UNICEF, 2024.

4. UN OCHA. Food Security in Gaza. New York: UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, 2023. 

5. UN OCHA. Gaza Medical Collapse. New York: UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, 2024.

6. World Bank. Health in Conflict Zones: Gaza Case Study. Washington DC: World Bank, 2021.

7. Lancet. Gaza Nutrition Crisis. London: Lancet Publishing, 2024.

8. Lancet. War & Public Health: Gaza Report. London: Lancet Publishing, 2023.

9. NEJM. Gaza Medical Crisis. Boston: New England Journal of Medicine, 2024.

___________________

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم