مقالات تربوية

احترام المال العام: وطنية اقتصادية منسية

احترام المال العام: وطنية اقتصادية منسية

خالد يكتشف الحقيقة

كان خالد موظفًا حكوميًّا يحترم عمله ويخشى الله في كل تصرفاته، لكنه في أحد الأيام لاحظ شيئًا غريبًا. زميله في المكتب المجاور كان يطبع أوراقًا شخصية على طابعة الدائرة، وآخر يستخدم سيارة الحكومة لتوصيل أطفاله للمدرسة، وثالث يأخذ أدوات مكتبية إلى بيته كأنها ملكه الخاص. عندما حاول خالد التنبيه بلطف، كان الرد دائمًا واحدًا: هذه أشياء بسيطة لا قيمة لها، والدولة غنية ولن تفتقد بضعة أقلام أو أوراق.

هذا المشهد ليس خيالًا بل واقع نراه في كثير من مؤسساتنا الحكومية. المال العام أصبح في نظر البعض شيئًا مباحًا، أرضًا مشاعًا يستطيع كل مَنْ يصل إليه أن يأخذ منه ما يشاء دون حساب أو رقيب. لكن السؤال الأهم: لماذا نتعامل مع المال العام بهذه الاستهانة بينما نحرص أشد الحرص على أموالنا الخاصة؟

الأثر المالي للتصرفات الصغيرة

الإجابة تكمن في غياب الوعي الحقيقي بمعنى المال العام، كثيرون يظنون أن المال العام ملك للدولة فقط، أو أنه مال مجهول المصدر ينزل من السماء؛ الحقيقة المغيبة هي أن كل قرش في خزينة الدولة هو في الأصل من جيوب المواطنين، من ضرائبهم، ورسومهم، وجمارك ما يستوردونه، وعوائد ثرواتهم الطبيعية التي تخصهم. بمعنى آخر، المال العام هو مالك أنت ومالي أنا ومال كل مواطن في هذا البلد، فكيف نستبيح لأنفسنا التفريط فيه؟

تخيل لو أَنَّ كل موظف في القطاع الحكومي أخذ ثلاثة أقلام شهريًّا لبيته، وكل معلم استخدم الطابعة لطباعة أوراق شخصية، وكل مسؤول استخدم سيارة الدائرة لقضاء حاجاته الخاصة. لو جمعنا كل هذه التصرفات البسيطة على مستوى الدولة بأكملها، لوجدنا أن الخسائر تصل إلى ملايين، بل ربما مليارات سنويًّا. هذه المليارات كان يمكن أن تبني مستشفيات، أو تصلح طرقًا، أو توفر فرص عمل لآلاف الشباب العاطلين.

المشكلة لا تقتصر على السرقات الصغيرة والتصرفات اليومية البسيطة. هناك مستوى أخطر وأكثر تدميرًا، وهو الفساد المنظم والهدر المتعمد. عقود وهمية تمنح لشركات لا وجود لها، مشاريع تبدأ ولا تنتهي، معدات تُشْتَرى بأضعاف ثمنها الحقيقي، مناقصات تُرسى على مَنْ يدفع أكثر؛ وليس على مَنْ يقدم أفضل. كل هذا يحدث تحت سمع وبصر الجميع، بينما نشكو من قلة الخدمات، وسوء البنية التحتية، ونقص الإمكانيات.

الفساد والهدر الممنهج

لكن الأمر لا يتوقف عند حدود الفساد الإداري. هناك شكل آخر من أشكال الهدر ربما يكون الأخطر لأنه منتشر بين عامة الناس ولا يعتبرونه خطأ. المواطن الذي يهدر الماء العام في غسل سيارته لساعات، أو يترك الإنارة مشتعلة في الشوارع والحدائق العامة دون حاجة، أو يتلف المقاعد، والمرافق العامة، أو يرمي النفايات في الطرقات. كل هذه التصرفات تُكَلِّف الدولة أموالًا طائلة في الصيانة، والتنظيف، والإصلاح، أموال كان يمكن توجيهها لتحسين حياة الناس.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا نحترم ممتلكاتنا الخاصة، ولا نحترم الممتلكات العامة؟ لماذا يحرص الواحد منا على كل فلس في جيبه بينما يستهين بملايين من المال العام؟ الإجابة تكمن في مفهوم الملكية الشخصية مقابل الملكية المشتركة. عندما يكون الشيء مُلْكًا لك وحدك، تحرص عليه لأن خسارته تؤثر عليك مباشرة. لكن عندما يكون الشيء مُلْكًا للجميع، يظن كل واحد أن مسؤوليته أقل، فينتج عن ذلك إهمال جماعي مدمر.

هنا تبرز أهمية تغيير المفاهيم وبناء ثقافة جديدة. نحتاج أن نغرس في أنفسنا، وفي أبنائنا أن المال العام ليس أقل قدسية من المال الخاص؛ بل ربما أكثر لأنه يمس حياة الملايين. كل قرش يُهْدَر من المال العام هو قرش يُسرق من تعليم طفل، أو علاج مريض، أو راتب موظف، أو خدمة ينتظرها مواطن. من هذا المنطلق، يصبح احترام المال العام واجبًا دينيًّا وأخلاقيًّا ووطنيًّا في آن واحد.

البعد الشرعي والأخلاقي

والبعد الشرعي في هذه القضية واضح وصريح لا لَبْسَ فيه، ديننا الحنيف وضع حرمة المال العام في مكانة عالية، بل جعلها أعظم من حرمة المال الخاص في كثير من الأحيان. قال النبي ﷺ: "مَن استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول". والغُلول هو الخيانة في الغنيمة، وقد توعد الله –سبحانه- صاحبه بقوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...﴾ [آل عمران: 161]. تخيل أن تقف يوم القيامة حاملًا كل قلم أخذته، وكل ورقة طبعتها، وكل دقيقة أهدرتها من وقت العمل في أمور شخصية.

الفقهاء أجمعوا على أَنَّ المال العام أمانة في يد مَنْ يتولاه، سواء كان حاكمًا، أو وزيرًا، أو موظفًا بسيطًا. والأمانة في الإسلام ليست مجرد كلمة تُقال، بل مسؤولية عظيمة يُحاسَب عليها المرء في الدنيا والآخرة.  قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا...﴾ [النساء: 58]. ومَنْ هم أهل الأمانة في المال العام؟ إنهم جميع أفراد الشعب الذين يجب أن تُصرف أموالهم في مصالحهم وخدماتهم، وليس في جيوب الفاسدين أو المهملين.

والأمر لا يتوقف عند الموظفين والمسؤولين فقط؛ حتى المواطن العادي عندما يهدر الماء العام، أو يتلف المرافق العامة، أو يستخدم الكهرباء الحكومية بإسراف، فهو يعتدي على حق غيره من المسلمين. قال النبي ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار". فإذا كان هذا في الموارد الطبيعية، فكيف بالأموال التي جُمعت من جهد الناس وعرقهم؟

القصص التاريخية عن حرص الصحابة والسلف الصالح على المال العام تملأ القلب خشية وإجلالًا. عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمير المؤمنين الذي فُتحت في عهده نصف الدنيا، كان ينام تحت شجرة بلا حراسة، وعندما وُجدت قطرة زيت من بيت المال على لحيته أمر بحلقها. وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- عندما تولى الخلافة أخذ راتبًا بسيطًا من بيت المال بالكاد يكفيه، وعندما حضرته الوفاة أمر بإعادة كل ما أخذه إلى بيت المال حتى لا يُحاسَبُ عليه. هؤلاء هم القدوة، هؤلاء هم الذين فهموا معنى الأمانة حق الفهم.

علماء الإسلام عبر العصور شدَّدوا على أن التفريط في المال العام من كبائر الذنوب. الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين ذكر أن مَنْ أخذ شيئًا من بيت المال بغير حق فقد أكل من حقوق الفقراء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل. وابن تيمية رحمه الله أفتى بأن الراعي الذي يتولى أمر الناس، ويأخذ من المال العام ما ليس له به حق، فهو آثم عاصٍ يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة.

والخطورة الكبرى أن المال العام المأخوذ بغير حق لا تُقبل منه صدقة، ولا عمل صالح حتى يُرد إلى أصحابه. تخيل أن تصلي، وتصوم، وتحج، وتتصدق، لكن في جيبك قلم أخذته من عملك، أو في بيتك أدوات مكتبية سرقتها من الدائرة، أو في ذمتك ساعات عمل أهدرتها في أمور شخصية. كل هذه الأعمال الصالحة قد تذهب هباءً بسبب هذه الخيانة البسيطة في نظرك، العظيمة عند الله تبارك وتعالى.

الحل يبدأ من الفرد والمجتمع

الحل يبدأ من التربية في البيت والمدرسة. علموا أطفالكم أن الحديقة العامة ليست أقل أهمية من حديقة بيتهم، وأن مقاعد المدرسة مُلْكٌ لهم، ويجب أن يحافظوا عليها، وأن إطفاء النور في الممرات العامة واجب كإطفائه في البيت. عندما ينشأ الطفل على هذه المفاهيم، يصبح مواطنًا صالحًا، يحمي ثروة بلاده بدلًا من أن يكون عبئًا عليها.

على مستوى المؤسسات الحكومية، نحتاج إلى رقابة صارمة وحقيقية، ليس فقط على المسؤولين الكبار بل على كل موظف في كل مستوى. نحتاج إلى قوانين رادعة تعاقب كل مَنْ يعبث بالمال العام مهما كان المبلغ صغيرًا. القلم الذي يأخذه الموظف لبيته والورقة التي يطبعها لحاجته الشخصية قد تبدو تافهة، لكنها بداية ثقافة الفساد. عندما نتساهل في الصغائر، نفتح الباب لعظائم الأمور.

نحتاج أيضًا إلى الشفافية الكاملة في كل ما يتعلق بالمال العام. يجب أن يعرف كل مواطن أين تذهب أمواله، كم يُنفق على كل مشروع، من الذي يربح العقود الحكومية ولماذا، كم تكلفة صيانة المرافق العامة سنويًّا. عندما تصبح الأرقام واضحة والمعلومات متاحة للجميع، يصعب على الفاسدين الاختباء، ويسهل على المواطن الصالح المحاسبة والمراقبة.

تخيل معي وطنًا يحترم فيه كل فرد المال العام كما يحترم ماله الخاص. وطنًا لا يأخذ فيه الموظف قلمًا واحدًا من مكتبه، ولا يستخدم فيه المسؤول سيارة الحكومة لحاجاته الشخصية، ولا يهدر فيه المواطن قطرة ماء واحدة، ولا يتلف فيه أحد مرفقًا عامًا. تخيل كم المليارات التي سنوفرها، وكم المشاريع التي سننجزها، وكم الخدمات التي سنحسنها. كل هذا ممكن، ليس بمعجزة أو بكنز مخفي، بل فقط بتغيير الثقافة والوعي.

الأمر ليس مستحيلًا كما قد يظن البعض؛ هناك دول كانت أسوأ منا حالًا ثم نهضت بفضل احترام شعوبها للمال العام. سنغافورة مثلًا كانت دولة صغيرة فقيرة في الستينيات، لكنها أصبحت من أغنى دول العالم؛ لأن شعبها تعلم أن كل دولار من المال العام هو استثمار في مستقبلهم. اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت مدمرة تمامًا، لكن احترام اليابانيين للنظام والقانون، والمال العام جعلها تنهض من الرماد لتصبح قوة اقتصادية عظمى.

قد يقول قائل إن الفساد منتشر في كل مكان وأن الدولة نفسها لا تحترم المال العام فكيف تطلب من الناس ذلك؟ هذه حجة واهية لأن التغيير يبدأ من الفرد. لا تنتظر أن يتغير الآخرون حتى تبدأ أنت. ابدأ بنفسك، بتصرفاتك اليومية البسيطة. لا تأخذ شيئًا من مكان عملك، لا تهدر الماء العام، لا تتلف المرافق العامة، حافظ على نظافة الشوارع. هذه التصرفات البسيطة قد تبدو غير مؤثرة، لكن عندما يقوم بها الملايين تصبح ثورة حقيقية.

احترام المال العام ليس مجرد شعار نرفعه أو موضوع نتحدث عنه في المحافل والمؤتمرات، بل هو سلوك يومي وممارسة عملية وثقافة يجب أن تترسخ في كل فرد منا. إنه اختبار حقيقي لوطنيتنا وأخلاقنا وحسنا الجماعي. عندما نحترم المال العام، نحترم أنفسنا ومستقبل أجيالنا.

المال العام أمانة في أعناقنا جميعًا، ليس فقط في أعناق المسؤولين والموظفين الحكوميين. كل واحد منا مسؤول عن حمايته والحفاظ عليه. عندما نرى تبديدًا أو فسادًا يجب أن نتكلم، وعندما نرى إهمالًا يجب أن ننبه، وعندما نرى تخريبًا يجب أن نمنع. الصمت على الفساد والهدر مشاركة فيه، والسكوت عن الخطأ إقرار به.

في الختام فإن احترام المال العام هو وطنية اقتصادية حقيقية، ربما تكون أهم من الشعارات الرنانة والكلمات الحماسية. الوطني الحقيقي ليس فقط مَنْ يدافع عن وطنه في الحروب، بل هو أيضًا مَنْ يحافظ على ثرواته في السلم، مَنْ يحمي كل قرش من المال العام كما يحمي أمواله الخاصة؛ هذه هي الوطنية الاقتصادية المنسية التي نحتاج أن نعيد اكتشافها واستعادتها.

لا تنتظر أن يبدأ غيرك، ابدأ أنت اليوم، الآن بخطوة صغيرة، قد تكون هذه الخطوة البسيطة هي الشرارة التي تشعل التغيير في بلدك بأكمله. فهل تكون أنت تلك الشرارة؟

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم