الحرص على الوقت: المفهوم
من عِشَاريات التطوير أيضًا أن يُصلح الإنسان نفسه حتى يصير (حريصًا على وقته)، وليس المراد بالحرص هنا مجرد المهارة في إداراته وحُسن تنظيمه، كما قد يظهر من وهلة التأمُّل الأولى، بل المقصود من هذه العبارة هو أقرب إلى معنى الشُّحِّ والبخل المحمودين، إن صح هذا التعبير.
وأمَّا تنظيم الوقت وإدارته فهي معانٍ تطويرية مهمَّة لكنها تدخل ضمن عِشَارية أُخرى، هي (عِشَاريات التنظيم) أو عِشَاريات (التزام النِّظام) التي سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.
الوقت بوصفه قيمة
ومن هنا نقول: إنَّ (الحرص على الأوقات) هو حالة تطويرية مستقلة، تَحْدُثُ لدى الأفراد فقط حين يدركون أنَّ لأوقاتهم أثمانًا وقيمًا، وقديمًا لاحظ هذا المعنى التابعي الجليل فقال: "لقد أدركت أقوامًا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم".
ومن ثمَّ فلن يتصف الأفراد بهذه المواصفة إلا إذا جعلوا للوقت عندهم قيمة ما، والناس قد يختلفون ويتفاوتون في مسالك تقييم الوقت وتثمينه، فبعضهم يرى قيمته كقيمة الذهب والفضة، وبعضهم أكبر من ذلك، وبعضهم أقل، ونحن عندنا الوقت هو الحياة نفسها.
نماذج من الحرص
ورحم الله العلامة عبدالفتاح أبوغُدَّة فقد جمع في كتابه (قيمة الزمن عند العلماء) أخبارًا تراثية كثيرة حول هذا، وممَّا جاء فيه أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يقول: (أثقل الساعات عليَّ ساعة آكُلُ فيها) ومثله ابن عقيل الذي كان يختار في أكله أن يسفَّ الكعك ويحتسي الماء، بدلًا من أكل الخبز لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ توفيرًا لوقته... فهذه أحوال عجيبة من الحرص على الأوقات، والبخل بها حتَّى على النفس، وللحديث بقية...
.
د. أحمد خونا
برلماني جزائري ، متخصص في قضايا الفقه الاسلامي والحوار وحقوق الانسان، له مشاركات في منتديات الحوار، وصدرت له العديد من الأبحاث ذات الصلة بالقضايا السياسية والتربوية والدعوية.