حكايات تربوية

الموظف الذي سرق قلمًا.. فخسر وطنًا!

الموظف الذي سرق قلمًا.. فخسر وطنًا!

كان ياسر موظفًا عاديًّا في دائرة حكومية، يشبه آلاف الموظفين الذين يدخلون كل صباح من البوابة نفسها، يجلسون على المقاعد نفسها، يشربون الشاي نفسه.

لكن ياسر كان يحمل سرًّا صغيرًا، كل يوم قبل أن يغادر المكتب كانت يده تمتد بحركة آلية نحو درج المكتب. قلم هنا دفتر هناك، علبة مشابك ورقية أحيانًا. أشياء صغيرة لا قيمة لها أو هكذا كان يظن.

في بيته كان لديه درج كامل مليء بالأقلام الحكومية؛ ألوان مختلفة، أحجام متنوعة، بعضها لم يستخدمه أبدًا. كان يبرر لنفسه: إنها مجرد أقلام، الدولة غنية، لن تفتقد هذه التوافه.

ذات يوم دخل ابنه الصغير أحمد إلى غرفته وهو يبكي. سأله ياسر: ما بك يا بني؟ أجاب الطفل بصوت متقطع: المدرسة لا تملك أقلامًا كافية، المعلم طلب منا أن نحضر أقلامنا من البيت، وأنا لا أملك سوى قلم واحد مكسور.

فتح ياسر الدرج المليء بالأقلام أعطى ابنه ما يحتاج. لكن سؤال الطفل البريء أوقفه كالصاعقة: بابا، من أين لك كل هذه الأقلام؟

تلعثم ياسر، لم يجد جوابًا. نظر إلى عيني ابنه فرأى فيهما براءة تشبه مرآة تعكس حقيقته القبيحة. في تلك اللحظة أدرك شيئًا لم يفكر فيه من قبل.

هذه الأقلام التي في الدرج كان يجب أن تكون في مدرسة ابنه. الأوراق التي طبعها لحاجاته الشخصية كان يجب أن تُستخدم لطباعة الكتب المدرسية. السيارة الحكومية التي استخدمها مرات عديدة لتوصيل عائلته للتنزه، كان يجب أن تخدم المواطنين في حاجاتهم الرسمية.

في تلك الليلة لم ينم ياسر؛ جلس يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا. كم قلمًا أخذ خلال عشر سنوات من العمل؟ ربما ألف قلم، لو أن كل موظف في دائرته فعل مثله كم سيكون العدد؟ عشرة آلاف؟ مئة ألف؟

بدأ يحسب بدقة، القلم الواحد يساوي نصف دينار، ألف قلم يعني خمسمئة دينار، لو أن كل موظف حكومي في البلد أخذ ألف قلم خلال عشر سنوات... الرقم كان مخيفًا، ملايين تذهب هباءً.

لكن الأقلام كانت مجرد البداية؛ الأوراق، الكهرباء المهدورة، ساعات العمل الضائعة في الأحاديث الشخصية واستخدام الإنترنت الحكومي لأمور خاصة، استخدام سيارات الدوائر لحاجات شخصية. كل شيء صغير، لكن عندما تجمعه من ملايين الموظفين، يصبح كارثة وطنية.

في الصباح التالي دخل ياسر المكتب برؤية جديدة. نظر إلى المكان كأنه يراه لأول مرة. كل شيء هنا ملك للشعب، كل قلم، كل ورقة، كل دقيقة من وقت العمل.

أخرج من حقيبته كل ما أخذه من المكتب على مدى الأشهر الأخيرة وأعاده إلى مكانه. شعر بخجل شديد، لكنه شعر أيضًا بخفة غريبة كأن حملًا ثقيلًا سقط عن كتفيه.

ذات يوم لاحظ أن الماء يتسرب من حنفية في دورة المياه. في السابق كان سيتجاهل الأمر، ليست مشكلتي، إنه ماء الحكومة. لكن الآن أسرع إلى قسم الصيانة وأبلغهم.

عندما سأله زميله متعجبًا: لماذا تهتم؟ أجاب ياسر: لأن هذا الماء المتسرب يخرج من جيوبنا جميعًا، من راتبك، ومن راتبي، ومن مستقبل أطفالنا.

بدأ التغيير يظهر تدريجيًّا. لم يعد ياسر يطبع أوراقًا شخصية على طابعة الدائرة، لم يعد يستخدم الإنترنت الحكومي لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح يحرص على إطفاء الأنوار والأجهزة عند مغادرة المكتب.

الأهم من ذلك أصبح يؤدي عمله بإتقان وأمانة، كل دقيقة من وقت الدوام أصبحت مقدسة في نظره، لأنها مدفوعة من المال العام، من ضرائب الفقير والغني على حد سواء.

بعض زملائه سخروا منه في البداية، أصبح ياسر ملاكًا فجأة، قالوا بسخرية؛ لكن آخرين بدؤوا يتأثرون بسلوكه، شاب صغير كان يأخذ أدوات مكتبية بانتظام، توقف عن ذلك بعد حديث قصير مع ياسر.

في بيته علّم ياسر أطفاله درسًا لن ينسوه، جمعهم ذات مساء، وأخرج ذلك الدرج المليء بالأقلام، قال لهم: هذه أقلام سرقتها من عملي، كنت أظن أنها شيء بسيط لا يهم، لكني كنت مخطئًا. كل قلم هنا كان يجب أن يكون في مدرستكم، أو في مدرسة طفل آخر.

نظر إلى ابنه أحمد وقال: عندما تكبر وتصبح موظفًا أو مسؤولًا، تذكر هذه اللحظة. المال العام أمانة، والأمانة ليست شعارًا نردده بل سلوكًا نعيشه كل يوم.

بعد سنوات أصبح ياسر مديرًا في دائرته، الجميع يعرفه بأمانته الشديدة؛ لم يكن الأكثر ثراءً بين زملائه، لكنه كان الأكثر احترامًا.

في مكتبه علّق لوحة صغيرة كتب عليها: كل قلم هنا أمانة، كل ورقة مسؤولية، كل دقيقة حساب، وتحتها قلم واحد قديم وضعه في إطار زجاجي، القلم الأول الذي سرقه منذ سنوات احتفظ به لتذكير نفسه دائمًا.

ذات يوم سأله موظف شاب: سيدي، لماذا تحتفظ بهذا القلم القديم في مكتبك؟

ابتسم ياسر ابتسامة فيها حكمة السنين:

هذا القلم يذكرني بأن الفساد لا يبدأ بملايين الدنانير، بل يبدأ بقلم صغير نظن أنه لا قيمة له، عندما نستبيح الصغائر، نفتح الباب للكبائر، وعندما يفقد الموظف أمانته في قلم، سيفقدها في ملايين غدًا.

لقد تعلمت أن احترام المال العام ليس واجبًا وظيفيًا فقط، بل هو وطنية حقيقية، كل قرش نحافظ عليه هو قرش يُبني به مستشفى أو مدرسة أو طريقًا، وكل قرش نهدره هو لبنة نهدمها من بناء وطننا.

الناس تظن أن الوطنية تكون بحمل السلاح في الحروب فقط. لكن الوطنية الحقيقية تكون في الأمانة كل يوم، في احترام المال العام، في أداء العمل بإتقان، في الحفاظ على كل قرش كأنه من جيبك الخاص.

نظر ياسر إلى النافذة حيث كانت الشمس تغرب على المدينة:

يا بني الوطن لا يُبنى بالخطب الرنانة والشعارات الجوفاء، الوطن يُبنى بأمانة موظف صغير يرفض أن يأخذ قلمًا ليس له، بمواطن يحافظ على مرفق عام كأنه ملكه، بمسؤول يتعامل مع المال العام كأنه أمانة في عنقه سيُسأل عنها يوم القيامة.

العبرة يا صديقي ليست في أن تكون غنيًّا، بل في أن تكون أمينًا، وأعظم غنى أن تنام كل ليلة وأنت تعلم أن كل ما تملكه حلال، وأن كل ما في ذمتك نظيف.

انظر حولك، كل طريق مهدوم، كل مستشفى بلا أدوية، كل مدرسة بلا إمكانيات... خلفه موظفون ومسؤولون ومواطنون استباحوا المال العام.

وكل وطن متقدم ومزدهر خلفه شعب تعلم أن المال العام خط أحمر لا يُمس.

فكن أمينًا لا خائنًا... كن بانيًا، لا هادمًا... كن وطنيًّا حقيقيًّا، لا مدعيًّا.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم