البداية: قرية بلا أمل
كانت قرية الرجاء تحمل اسمها بمفارقة عجيبة؛ فالرجاء كان آخر شيء موجود في قلوب أهلها،قرية صغيرة على طرف الصحراء، لا تتجاوز مائتي بيت، معظم رجالها عمال موسميون يهاجرون للمدن طلبًا للرزق، ونساؤها ينتظرن في بيوت متواضعة لا يعرفن كيف يدبرن ما يأتي من المال القليل، الشباب يهربون منها بمجرد أن يكبروا، والأطفال يحلمون باليوم الذي يغادرونها فيه.
في هذه القرية كان المسجد القديم يقف في الوسط كشاهد صامت على الحال، بناء بسيط من الطين والحجر، يؤمه عدد قليل من المصلين، معظمهم من كبار السن، الشباب يفضلون النوم على صلاة الفجر، والرجال العائدون من المدن منهكون لا طاقة لهم بالمشاركة في أي شيء.
قدوم الإمام وبذرة التغيير
جاء الإمام الجديد في خريف عام 2018، كان شابًّا في الثلاثينات من عمره، درس الشريعة والاقتصاد معًا، وكان لديه رؤية مختلفة تمامًا عن دور المسجد، اسمه الشيخ عمر، وكان يؤمن أن المسجد ليس فقط للصلاة، بل هو قلب الحي النابض بالحياة.
في أول خطبة جمعة له صدم الناس حين قال بصراحة: نحن فقراء ليس لأن الله –سبحانه وتعالى- لم يرزقنا، بل لأننا لا نعرف كيف نستثمر ما عندنا، بعضهم استاء من الكلام، لكن كثيرين شعروا أن هناك مَنْ يفهم مشكلتهم الحقيقية أخيرًا.
بدأ الشيخ عمر بخطوة بسيطة، بعد صلاة الفجر طلب مِنْ كل مَنْ حضر أن يكتب اسمه، ومهنته، أو مهارته على ورقة صغيرة. في البداية تردد الناس، ما عندي مهارة، أنا مجرد عامل، ما أعرف أعمل شيئًا مفيد. لكن الشيخ أصرَّ، وكتب الناس.
عندما جمع الأوراق وجد كنزًا لم يكن أحد يراه،أحمد يعرف النجارة لكنه لا يملك أدوات، فاطمة تجيد الخياطة لكن لا أحد يطلب منها شيئًا. سعيد يفهم في الزراعة لكن ليس عنده أرض كافية، مريم تصنع أشهى المعجنات لكنها لا تعرف كيف تبيعها، خالد كان محاسبًا في المدينة لكنه عاطل الآن، ياسين شاب ذكي يفهم في الإنترنت والتسويق الإلكتروني.
في الليلة التالية دعا الشيخ عمر كل هؤلاء لاجتماع بسيط في المسجد بعد صلاة العشاء، جاء ثلاثون شخصًا نصفهم فضولًا والنصف الآخر لأن ليس لديهم ما يفعلونه، جلسوا على السجاد القديم، وبدأ الشيخ يتكلم.
من التعاون إلى التحول
قال لهم بهدوء كل واحد منكم عنده شيء يحتاجه الآخر، المشكلة أننا لا نعرف بعضنا، ولا نتعاون. ثم بدأ يربط الخيوط؛ أحمد النجار يحتاج أدوات، وتاجر خشب صغير في القرية المجاورة كان يصلي معهم أحيانًا، اتفقا على شراكة بسيطة، فاطمة الخياطة التقت بمريم صانعة المعجنات، وقررتا فتح كشك صغير في سوق القرية الأسبوعي يبيعان فيه منتجاتهما، ياسين الشاب المهتم بالإنترنت عرض أن يسوق لهما مجانًا عبر مواقع التواصل، خالد المحاسب تطوع لتعليم الناس كيف يديرون حساباتهم البسيطة.
في البداية، كانت النتائج متواضعة. أحمد باع طاولتين في الشهر الأول، فاطمة ومريم ربحتا ثلاثمائة دينار فقط. لكن كان هناك شيء يتغير، شيء لا يُقاس بالمال، كانت الروح المعنوية ترتفع، والأمل يعود تدريجيًّا.
بعد شهرين اقترح الشيخ عمر فكرة جديدة. قال: عندنا في القرية زكاة وصدقات، بدل ما نوزعها نقدًا ينتهي في أيام، لماذا لا نستثمرها في مشاريع صغيرة؟ أثار الاقتراح جدلًا، البعض قال هذا غير جائز، لكن الشيخ شرح لهم أن إعطاء الفقير رأس مال ليعمل به أفضل من إعطائه مالًا يستهلكه.
اجتمع أهل الخير في القرية وجمعوا خمسة عشر ألف دينارًا. كان مبلغًا بسيطًا لكنه كان كافيًا للبداية، جاء شاب عاطل اسمه عبدالله وقال: إنه يريد شراء دراجة نارية صغيرة ليعمل في توصيل الطلبات بين القرى، أعطوه ثلاثة آلاف دينار، جاءت امرأة أرملة تدعى خديجة تريد شراء ماكينة خياطة لتخيط للناس، أعطوها ألفي دينار، جاء مزارع صغير يريد شراء مضخة ماء لتوسيع زراعته، أعطوه خمسة آلاف.
ما حدث بعدها كان أشبه بالمعجزة. بعد ستة أشهر عبدالله صاحب الدراجة كان يوظف شابين آخرين معه، خديجة الأرملة صارت تخيط لنساء ثلاث قرى مجاورة، المزارع وسّع أرضه وصار يبيع خضاره في المدينة، وبدأ كل واحد منهم يرد جزءًا من المال للصندوق ليساعدوا غيرهم.
لكن التحول الحقيقي جاء من فكرة بسيطة اقترحها ياسين الشاب، قال: لماذا لا نجعل سوق القرية الأسبوعي أكبر ونسوّق له عبر الإنترنت؟ بدأوا بصفحة على فيسبوك، وحساب على إنستغرام، يعرضون فيها منتجات القرية البسيطة: المعجنات الطازجة، الألبان البلدية، الخضروات العضوية، الأثاث الخشبي اليدوي، المشغولات اليدوية النسائية.
في البداية لم يهتم أحد، لكن ياسين كان مثابرًا، صوَّر فيديوهات بسيطة بهاتفه، نشر قصص الناس، أظهر جمال القرية وبساطة حياتها، وببطء بدأ الناس من المدينة يأتون. في البداية جاؤوا فضولًا، لكنهم أُعْجِبوا بجودة المنتجات وصدق التعامل. صارت العائلات تأتي في عطلة نهاية الأسبوع لشراء المنتجات الطبيعية والاستمتاع بجو القرية الهادئ.
بعد سنة واحدة، كان دخل القرية قد تضاعف ثلاث مرات، لم تعد قرية فقيرة معزولة، بل صارت نموذجًا للاكتفاء الذاتي والتعاون. الشباب الذين كانوا يحلمون بالهروب صاروا يعودون من المدن لأنهم وجدوا فرصًا أفضل في قريتهم. البيوت التي كانت تكاد تنهار بدأت تُرمم، الوجوه التي كانت عابسة صارت تبتسم.
لكن الأهم من المال كان التغيير في الروح، صار المسجد يمتلئ في كل صلاة، صار الناس يجتمعون بعد العشاء يتشاورون ويخططون ويساعدون بعضهم، صارت النساء يتبادلن الخبرات ويعلمن بعضهن، صار الأطفال يكبرون وهم يرون آباءهم ينتجون ويبدعون بدل أن يهاجروا ويتركوهم.
الشيخ عمر كان يقول دائمًا في خطبة الجمعة: المسجد ليس فقط للصلاة، المسجد هو قلب المجتمع، منه تنطلق الحلول، وفيه نتعاون على البر والتقوى، وبالتقوى نجد الرزق، ألم يقل الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؟[الطلاق: 2-3]
بعد ثلاث سنوات، جاء وفد من وزارة الشؤون الاجتماعية لزيارة القرية، أرادوا أن يفهموا كيف تحولت من أفقر قرية في المنطقة إلى نموذج اقتصادي يُحتذى به. سألوا الشيخ عمر: ما السر؟
ابتسم وأشار إلى المسجد وقال السر هنا، عندما يصبح المسجد مركزًا للتنمية والتعاون، عندما نربط الإيمان بالعمل، عندما نكتشف الطاقات الموجودة عندنا ونستثمرها، عندما نتوقف عن انتظار الحلول من الخارج ونبدأ من عندنا، حينها تحدث المعجزات.
أحد الوزراء سأل: لكن أنت لم تجلب أموالًا طائلة، ولا مشاريع حكومية كبيرة. كيف فعلتها؟
رد الشيخ بهدوء: أنا لم أفعل شيئًا سوى أنني ربطت بين الناس وأيقظت فيهم الأمل. المال كان موجودًا، المهارات كانت موجودة، الطاقات كانت موجودة. كل ما احتجناه هو التنظيم والتعاون والإيمان بأن التغيير ممكن.
الخاتمة: عندما يعود المسجد قلبًا للحياة
اليوم، قرية الرجاء صارت فعلًا تستحق اسمها، المسجد الذي كان يكاد يكون خاويًا صار يضج بالحياة، وإذا سألت أي شخص في القرية عن سبب التحول، سيشير إلى المسجد ويقول: هنا بدأ كل شيء. عندما تحول بيت الله –تبارك وتعالى- إلى بيت للجميع، عندما صار المسجد بنكًا للتنمية، وجامعة للتعليم، ومركزًا للتعاون، حينها تغيرت حياتنا كلها.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.