مقالات تربوية

المربي

تربية الأبناء من وحي سورة لقمان (2) الصبر والقدوة بناء شخصية الأبناء على أسس راسخة

تربية الأبناء من وحي سورة لقمان (2) الصبر والقدوة بناء شخصية الأبناء على أسس راسخة

المقال الثاني من سلسلة "تربية الأبناء من وحي سورة لقمان"، بعنوان:

"الصبر، والقدوة بناء شخصية الأبناء على أسس راسخة"

 

المقدمة

تربية الأبناء ليست عملاً عابرًا، بل هي مشروع أمة، ومستقبل حضارة، وقد جاءت سورة لقمان لتضع اللبنات الأولى لبناء الشخصية الإيمانية المتوازنة، فجمعت بين الإيمان، والعمل، والعبادة، والسلوك، والوصايا العملية التي تُرسي جذور التربية الراسخة. ومن أهم معالمها الصبر، والقدوة، إذ لا يمكن لأبٍ أو مربٍ أن يُنشئ جيلاً صالحًا دون أن يكون هو قدوة حسنة، وصابرًا على مشاق التربية ومتاعبها.

قال تعالى على لسان لقمان الحكيم وهو يربي ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].

أولاً: الصبر.. أساس الثبات في تربية الأبناء:

الصبر في التربية هو وقود المربي في مواجهة التحديات النفسية، والسلوكية، وهو كما وصفه ابن القيم: "نصف الإيمان، ونصفه الآخر الشكر"في  مدارج السالكين.

وقد بيَّن الله في وصايا لقمان أن الصبر لابدّ أن يصاحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المربي سيواجه في طريقه اعتراضًا، أو إهمالًا أو تأخرًا في الثمار، قال سيد قطب في (في ظلال القرآن):

 "إن الدعوة إلى الخير لا تُثمر إلا مع الصبر، ولا يُقيم المربي دعائم الإيمان في قلب الناشئ إلا وهو متسلح بخلق الصبر الجميل، يواجه الخطأ بالحكمة، والزلل بالرفق، والعناد بالثبات."

ومن روائع أقوال السلف ما قاله الحسن البصري:

 "من لم يصبر على مشقة التربية، والتهذيب، صبر على مرارة الانحراف ،والندم."

فالصبر في تربية الأبناء ليس مجرد احتمال، بل هو إيمان بالمهمة واحتساب للأجر. قال ﷺ: "ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حزنٍ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه" (رواه البخاري ومسلم).

وهذا يشمل صبر الوالدين في تعليم أبنائهما، وتوجيههم، واحتمال أخطائهم، ورعاية سلوكهم.

ومن صور الصبر التربوي التي أشار إليها القرآن الكريم:

1. الصبر على طول الطريق التربوي: لأن بناء الإيمان لا يتم بيوم أو شهر، بل عبر تكرار ومتابعة ورفق.

2. الصبر على أخطاء الأبناء: فالنبي -ﷺ- كان أرحم الناس بالناشئة، يصبر على جهلهم، ويعالجهم بالرفق، كما في قوله: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (رواه مسلم).

ثانيًا: القدوة التربية بالعمل قبل القول:

القدوة هي روح التربية، فالكلمات تُنسى، أما الأفعال فتبقى في الوجدان. قال تعالى في مطلع السورة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ...﴾ [لقمان: 12].

فأول درس في القدوة أن يبدأ المربي بنفسه فيشكر الله، ويقيم الصلاة، ويصدق في القول والعمل، ليكون قوله مؤثرًا وسلوكه مُلهِمًا.

قال الإمام الزمخشري في "الكشاف":

"في تقديم شكر لقمان لله تعليمٌ للمربين أن يبدأوا بأنفسهم في العمل قبل الأمر، فإن القدوة أبلغ من الوعظ."

وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير":

"التربية بالقدوة هي لبّ الحكمة، فالمربي لا يُغرس القيم بمجرد القول، بل يرسخها في النفس بفعله وسيرته."

وقد جسّد النبي ﷺ أعظم نموذج للقدوة حين قال الله تعالى فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...﴾ [الأحزاب: 21]. 

وقال الإمام الغزالي في (إحياء علوم الدين): "الصبي يقتدي أولاً بوالده، ثم بمعلمه، فإن كانا صالحين، استقامت فطرته، وإن كانا فاسدين، فسدت طباعه."

ولهذا، فإن المربي الحقيقي لا يكتفي بالأوامر، بل يعيش ما يدعو إليه؛ فإذا أمر بالصلاة، صلى أمام أبنائه، وإذا نهى عن الغيبة، أمسك لسانه عنها.

ثالثًا: الجمع بين الصبر، والقدوة في بناء الشخصية الراسخة:

في وصايا لقمان اجتمع الصبر بالقدوة لتكوين شخصية متوازنة في أبنائه، فالصبر يمنح الثبات أمام الابتلاءات، والقدوة تغرس المبدأ في السلوك.

وقد أشار ابن كثير إلى هذا المعنى في تفسيره: "إن اجتماع الصبر مع العمل الصالح والقدوة الحسنة هو من عزم الأمور التي يُثبّت الله بها أولياءه ويهدي بها الأبناء."

فالمربي القدوة الصبور هو الذي يزرع في ابنه الإيمان العميق، والاتزان النفسي، والقدرة على مواجهة الحياة بثقة وثبات.

وفي عصرنا الذي تكثر فيه المؤثرات وتنهار فيه القيم، لا بد من تربية صامدة تقوم على الصبر في التوجيه، والقدوة في التطبيق، لتنشئة جيل مؤمن واعٍ يحمل هوية أمته.

قال الشاعر :

  يا بنيَّ اسْلُكِ الحيـاةَ بِصَبـرٍ            فالصبـرُ زادُ النفـوسِ في المِحَـنِ

واجعلِ الخيـرَ نُورَ دربِـكَ دوْمـاً          وابتعِدْ عن طريقِ مَن لم يُهَـنِ

قَدْوَةُ الأبِ نُورُ بيـتٍ وعِـزٌّ                تُلهِمُ القلبَ صِدقَها في العَـلَنِ

إنَّما الأبناءُ مِرآةُ أهـلٍ                   يَظهَرُ الفضلُ في سُلوكِ الوَلَـدِ

رُبَّ قولٍ يزولُ دونَ مثال              ورُؤيَـا الفِعْلِ تَثبُتُ في الزَّمَنِ

فاصبِرِ اليومَ واغرِسِ الخَيرَ فيهم       سَوفَ يَأتـي الحصـادُ في اليَـقَـنِ

الخاتمة:

لقد رسمت سورة لقمان منهجًا ربانيًا للتربية يقوم على الصبر الجميل والقدوة العملية، وهما جناحا المربي في تحليق أبنائه نحو المعالي. فالمربي الصابر القدوة لا يزرع في أبنائه مجرد كلمات، بل يغرس فيهم قيمًا باقية تمتد لأجيال.

 قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. 

الواجب العملي:

_ليكن شعار كل أبٍ وأمٍّ: “سأكون ما أريد أن أراه في أبنائي”.

_درّب نفسك على الصبر في الحوار، والاستماع، والتقويم.

_اجعل بيتك مدرسة عملية للأخلاق والسلوك؛ فأبسط المواقف اليومية هي ميادين القدوة الحقيقية.

.

د. فتحي محمد أبوالورد

مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة، شخصية تغلّب روح الإسلام الوسطي المعتدل، وتناقش أمور المسلمين بموضوعية مستنيرة وبحكمة، وأسلوب يعتمد أدب الحوار مع الآخر المخالف في الرأي والاتجاه والمنهج أيضاً.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم