مقالات تربوية

رمضان

كيف نستقبل رمضان

كيف نستقبل رمضان

إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر، ربي وربك الله، اللهم أهلَّهُ علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقه، الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وجاء بشهر رمضان. 

الزمن رأس مال العمر:

في مثل هذا الوقت من العام الفائت كنا نستقبل رمضان، وهاهو قد عاد في هذا العام بعدته المشرقة، وطلعته البراقة المنيرة لنستقبله مرة أخرى؛ فمرحبًا بشهر الطاعة والتزكية والعبادة والطهر. 

وترى هل شعر أحدنا بأنها حلقة من سلسلة الحياة المحدودة الحلقات نقصت، ومرحلة من مراحل الأجل المعدودة قطعت، وخطوة في طريق الحياة إلى النهاية الغائبة عن كل إنسان لا تدري كم كُتِبَ بعدها لكل منا من خطوات؟ 

لقد تلاشت هذه الأوقات في محيط الماضي الواسع الفسيح، وذابت في طيات أمواجه كما يذوب الجليد، صهرته الشمس، وفنيت فناء لن تعود بعده أبدًا، وهكذا تتلاحق الأعوام وتتابع السنون. 

حبذا لو كان كل واحد منا يحاسب نفسه إذا أصبح وإذا أمسى عن هذه الساعات التي هي أجزاء حياته: فيم أنفقها؟ وما الذي اكتسبه فيها؟ وإلى أي مصير أدته؟ 

وما من يوم ينشق إلا ويُنَادَى: "يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة". 

ما أرخص الوقت في نظرنا وهو أغلى شيء، أليس الوقت هو الحياة؟ 

لقد قالوا: إن الوقت من ذهب، ولا أراهم إلا قصروا؛ فإن الذهب إن ضاع منك عوضته، والوقت إن ضاع لم تعوضه ولو أنفقت ملء الأرض ذهبًا. ومَنْ ذا الذي يقيس الحياة بالذهب؟! 

إن الذي جعل الوقت من ذهب بخسه حقه؛ فالوقت فى حياتنا هو كل شيء، وإن كنا لم نعتبره بعدُ شيئًا، وأعتقد أننا في اللحظة التي نقدر فيها أوقاتنا، ونعرف كيف ننفقها فيما يتفق مع قيمتها، ويتناسب مع قدرها نصبح أرقى الأمم وأسعد الشعوب؛ فهل يقدر هذا لنا نحن الذين ضبط لنا الإسلام الأوقات ضبطًا ليس أدق منه ولا أروع، وجعل للذين يراعون الشمس والقمر منزلة في الجنة؟

تعالوا يا أحبائي نرَ الذي استفدناه لأنفسنا أو لأمتنا خلال عام كامل مضى بدقائقه وساعاته وأيامه ولياليه، هل اهتدينا في رمضان الماضي إلى أسلوب صحيح من أساليب تربية النفوس، وتطهير الأرواح، وتزكية الأخلاق؛ فحرصنا عليه، ونهجنا نهجه حتى جاء رمضان هذا العام، فإذا نحن أزكى نفوسًا، وأصفى أرواحًا، وأطهر أخلاقًا من ذي قبل؟ 

هل تمكن قطر شرقي إسلامي خلال هذا العام من فرصة سانحة كسر فيها القيود والأغلال، وخلص مما هو فيه من الويلات، واندفع في طريق الترقي والكمال؟

هل وفقت حكومة إسلامية أو زعامة شرقية إلى وضع ناموس اجتماعي يوقف تيار هذا الفساد الخلقي، والاضطراب الاجتماعي، والألم النفسي الذي يشمل كل مرافق الحياة، وكان له في النفوس أسوأ الأثر، وأعظم الضرر؟ هل أُجْلِيَ خصم من خصوم الإسلام عن ديار الإسلام؟ لا.

وهل عادت أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام فى أمة من الأمم كما يريد الإسلام؟ لا. 

وهل صلحت أخلاق أبناء الإسلام كما يريد الإسلام؟

وهل أخذ المسلمون بأحكام القرآن الكريم، وطالما سمعوه ووعوه، وهم يعلمون أنه أساس الإسلام؟ لا. 

إذن لم يَجدَّ علينا جديد نُسَرُّ به ونفرح له، ولا زلنا فى موقفنا حيث نحن كما كنا منذ عام، وإذا استمر الحال على ذلك لم يزدنا مَر الأيام إلا تأخرًا، وذلك ما يذيب لفائف القلب لوعة وأسى. 

رمضان فرصة للتجدد.. لا للتكرار:

ولئن كان التفريط في الماضي جريمة فإنه في المستقبل أشد جُرْمًا وأكبر إثمًا، فهيا يا أبناء الإسلام ننتهز فرصة رمضان الجديد لنتجدد. 

تجددوا يا شباب الإسلام، اخلعوا هذه النفوس الرثة البالية الخليقة الماجنة الطاغية الكاسية الضعيفة الناعمة الغارقة في الأماني والشهوات، واستبدلوا بها في رمضان الجديد نفوسًا أخرى جريئة في الحق، شاعرة بالواجب، مقدرة للأمانة، كلها فتوة وهمة وقوة، ونزوع إلى المعالى، وعزوف عن الصغائر، وطموح إلى المجد الذى خلده الله لكم فى كتابه؛ إذ يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[المنافقون: 8]

جددوا أنفسكم، وزكوا أرواحكم، واستعينوا بالصلاة والصيام والطاعة والقيام، وجددوا توبة نصوحًا تُرضى ربكم فيرضى بها عنكم، واحذروا أن يمر بكم رمضان فلا تصقل به النفوس، ولا تزكى به السرائر ولا تطهر به الأرواح، 

وليس بجميل أن ينادي منادي ال حق -تبارك وتعالى- وقد جاء رمضان: "يا باغى الشر أقصر، ويا باغى الخير هلم"؛ فلا يبادر المسلمون إلى الإجابة، ولا يسارعون إلى تلبية الداعي البر الرحيم. 

إنه شهر مناجاة وروحانية؛ ولهذا أوثر أن تخلو بنفسك وتستجوب أصداء حسك في خلوة من ليل أو نهار؛ فتسأل نفسك عن واجبها نحو ربها، ودينها، وأسرتها، وأمتها، ووطنها، وقرابتها، وإلى أي حد قامت بشعب هذه الواجبات وفروعها، وثق بأنك ستفهم عن نفسك في هذه الخلوة الربانية أكثر مما تفهم عني، ولو كتبت لك أضعاف هذه الصفحات. 

وثق يا عزيزي أن العلم الصحيح إنما ينبع من الروح، ويفيض من القلب، ويتفجر من جوانب النفوس الزكية المشرقة؛ فكن عبدًا ربانيًّا معلَّق القلب بالله تبارك وتعالى؛ تره يملأ نفسك بهجة وسعادة، والله ولي توفيقنا وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه.

كيف نستعدُ لرمضان كما ينبغي؟ 

• أحبابي في الله: الكل يستعد لرمضان.. 

فهل استعددتَ أنت لرمضان؟ 

لتعلم جيدًا أخي الحبيب أنه على قَدْر ما في رمضان من الخير الذي لا يُحصَى فإن فيه أيضًا من الخطر.. ما يجعلك تكثف جهودك للاستعداد جِدِّيًّا لهذا الشهر الكريم.

 ويَكْفِيكَ في ذلك المعنى هذا الحديث الخطير؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -ﷺ- صعد المِنبَر فقال: (آمين آمين آمين)، قيل يا رسول الله إنك صعدتَ المنبر فقلتَ (آمين آمين آمين)، فقال: إن جبريل -عليه السلام- أتاني فقال مَنْ أدرك شهر رمضان فلم يُغفَر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلتُ: آمين). (انظرصحيح الترغيب والترهيب: 997).

لذلك كان لابد أنْ تُصلِحَ علاقتك بالله –عز وجل- قبل أنْ تدخل رمضان؛ لأن رمضانَ فتحٌ من الله، ليس أيُّ أحَد يَنال هذا الفتح، فلابد أنْ يكون بينك وبين اللهِ –تبارك وتعالى- علاقة طيبة في فعل الطاعات واجتناب المعاصي حتى يَفتحَ عليك بسببها في رمضان.

 والسؤال الآن كيف تُصلِحُ علاقتك بالله ؟

أولًا: لابد من وجود مُعَسكَرات إيمانية قبل رمضان لتتدرب فيها قدرَ ما تستطيع، حتى إذا جاء رمضان حصدتَ الثواب حَصدًا بإذن الله، وأُعتِقتَ من النار فى أول ليلة بإذن الله، وخرجتَ من رمضان لأول مرة؛ إنسان جديد.

ولذلك، هيا بنا الآن لنتعرف على هذه المعسكرات الإيمانية:
1- مُعسكر الصيام:

في كل رمضان يَضِيع النهار بدون طاعة جِدِّيَة من قراءة قرآن، أو أذكار، أو خشوع في الصلاة، أو دعاء أو... وذلك بسبب مَشَقَة الصيام، وكذلك يَضِيع ليل رمضان بسبب مشاكل الإفطار، فلذلك لابد أنْ تُعَوِّد جسدك من الآن على صيام يومَي الاثنين والخميس، فقد قال النبي -ﷺ- عنهما: (إن الأعمالَ تُرفَعُ يوم الاثنين والخميس فأحب أنْ يُرفَعَ عملي وأنا صائم) (انظرصحيح الجامع:1583)، وكذلك صيام (13 و14 و15) من الشهر العربي فقد قال النبى -ﷺ- عنهم: (صيامُ ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدَهر وإفطارُه) (انظر صحيح الجامع: 3848)، وذلك حتى لا تَقِل عبادتك في رمضان أثناء النهار.

2- مُعسكر الدعاء:

من الآن اجعل لك دُعاءً تَلزَمُهُ على لسانك طوال رجب وشعبان وهو:

اللهم بَلِغنا رمضان واجعلنا فيه من الفائزين، لعلك توافق ساعة إجابة فتفوز فوزًا عظيمًا.

3- مُعسكر القيام: 

هذا يحتاج إلى استعدادٍ خاص قبل رمضان، لأنك لابد أنْ تُعَوِّد نفسك على القيام ولو بنصف ساعة كل ليلة، حتى تدخل رمضان وأنت مُعتاد القيام، فتستطيعَ أنْ تعيش كلمة إيمانًا واحتسابًا؛ التي جعلها النبي -ﷺ- شرطاً لمغفرة ما تقدم من ذنبك حينما قال: (مَنْ قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدمَ من ذنبه) مُتَفَق عليه.

 وقد قال النبي ﷺ: (عليكم بقيام الليل فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، وقُربَةٌ إلى ربكم، ومَكْفَرَة للسيئات، ومَنهَاةٌ عن الإثم (أي ينهى الإنسان عن المَعَاصِي) انظر صحيح الترغيب والترهيب: 624.

وقال أيضًا مَن قامَ بعشر آيات لم يُكتَب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتِبَ من القانتين، ومَن قام بألف آية كُتِبَ من المُقنطِرين) انظر صحيح الجامع: 6439.

ومعنى المُقنطِرين: أي الذين جاءوا بقناطير من الحسنات، والألف آية مثل: أنْ تقرأ في صلاة القيام بـ:

(جزء تبارك + جزء عم + 5 آيات من أي سورة) من الممكن أنْ تُكرر سورة الناس مرتين.

ومعنى القانتين: أي الطائعين المُنقادِين، والمائة آية مثل أنْ تقرأ سورة الواقعة، وهي 96 آية، فتُقسِمَها على عدد ركعات صلاتك، ثم تقرأ في آخر ركعة بـ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾سورة الإخلاص، وهي 4 آيات).

4. مُعسكر الدعوة إلى الله:

لا أطلبُ منك سِوَى أنْ تهتم بصديق واحد فقط، وأنتِ تهتمين بصديقة واحدة فقط، تتصل به قبل كل درس لتصحبه معك، وتشجعه على الصيام والقيام، وتشجعه على تطبيق ما في هذه الورقة من الخير، وستراهُ في آخر رمضان بإذن الله تعالى وقد انبعث النور من وجهه، فساعتَهَا ستسجد شُكرًا لله –تعالى- أنْ جعلك سببًا لهداية هذا الشاب، فقد قال النبي ﷺ: (لأن يَهدِيَ اللهُ بك رَجُلًا واحدًا خير لك من أنْ يكون لك حُمُرُ النَعَم) متفق عليه، وقال أيضًا: (مَن دَلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعلِه) رواه مسلم 5007.

 5- مُعسكر العلم:

قال تعالى:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾[يوسف: 108] أي: على علم، وقال النبي ﷺ: (مَنْ سَلَك طريقًا يلتمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنة) انظر صحيح سنن ابن ماجة: 223، فلذلك ينبغي من الآن أنْ تتعلم الأحكام الفِقهيَّة للصيام حتى تعبُدَ اللهَ –عز وجل- على بَصِيرة.

6-  مُعسكر إصلاح القلوب:

هل ستدخل رمضان بقلبك هذا وهو مُحَمَّل بذنوب 11 شهر كاملة ؟!

مطلوب منك أنْ تدخل رمضان بقلب جديد، ولكن كيف ذلك ؟

أولًا: لابد من الدعاء بتضرع إلى الله تعالى بأنْ يُصلِحَ قلبك، فإن القلوب في يده سبحانه وتعالى.

ثانيًا: لابد من توحيد غِذاء القلب، فأنت حينما تعمل طاعة معينة ثم تتبعها بمعصية فكأنك تعطى قلبك دواءً ثم تعطى له سُمًّا فيَفسَدُ القلبُ بهذا، ولذلك لابد أنْ توحد غذاء قلبك بالطاعة فقط، وأنْ تحافظ عليه قدر المُستَطاع من المعصية، لأن المعصية تترك أثرًا في القلب، فلابد أنْ تقاوم أي شهوة، أو حب دنيا، أو أي شيء يقترب من قلبك ليُفسِدَه.

ثالثًًا: عليك أنْ تكثر من ذِكر الله –تبارك وتعالى- فهو خيرُ مُعِين على إصلاح القلوب، فقد قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 41]. وقال حكايةً عن المنافقين: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء 142]، فالذكر الكثير براءة للقلب من النفاق.

7-  مُعسكر الصلاة:

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ…﴾[العنكبوت: 45]، فدعونا أيها الأحبة نتساءلُ بصدق: هل صلاتُنا هذه تنهانا عن الفحشاء والمنكر؟

الجواب: بالطبع لا، بدليل أننا مازلنا مُنغَمِسِين في الذنوب والمعاصي، فما السبب إذن؟

السبب أننا لم نتعلم كيف نُصلي الصلاة التي يحبها ربُنا –تعالى- ويَرضاها، حتى تنهانا هذه الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وحتى تصلح بها قلوبنا وأخلاقنا، فيَصلُح بذلك رمضان كله بإذن الله تعالى.

فلابد أنْ تجاهد من الآن في أنْ تصحح صلاتك، فإنها كافية لتغيير كل شيء في حياتك، واعلم أنه إذا ذهب 10 أيام في رجب أو شعبان في محاولة الخشوع، خيرٌ من أنْ تذهب هذه الأيام في رمضان؛ فدقائق رمضان غالية.

وهناك نصيحة مهمة جدًّا جدًّا في الصلاة ينبغي أنْ تعمل بها، ألا وهي التلبية الفورية عند سماع الأذان، بمعنى أنك أول ما تسمع كلمة: الله أكبرلابد أن تقطع دُنياك، وأنْ تُسرع بتلبية أمر ربك تبارك وتعالى، فلَيْسَ اللهُ تعالى هو الذي يُقالُ له: انتظِر قليلًا أو سآتي إليك بعد 5 دقائق، أو عند الإقامة، فاللهُ –تعالى- أغنَى وأعَزّ مِنْ أنْ يُقالَ لهُ ذلك، ولذلك كان هذا هو الابتلاء الحقيقي للعبد؛ لأن اللهُ -سبحانه وتعالى- يمتحنُك بهذا النداء خمس مرات يوميًّا هل ستتركُ الدنيا مِن أجلِهِ أم لا؟ طبعًا إلا إذا كان هناك عُذر شرعي كحضور الطعام وأنت محتاجٌ إليه، ومُدَافعة البَول والغائط، والمرض، وغير ذلك من الأعذار المُبيحة لِتَرك الجماعة.

فإذا أسرعتَ بتلبية أمر ربك فإنك ستحصل على هذا الخير الكثير: صلاة السُنّة القَبلية للصلاة، والدعاء الذي لا يَرُدّهُ الله بين الأذان والإقامة، والاستعداد القلبي للخشوع، وكذلك إدراك الصف الأول الذي قال عنه النبي ﷺ: (لو تعلمون ما فى الصف الأول ما كانت إلا قرعَة). [انظر صحيح الجامع: 5264]، وأيضًا إدراك تكبيرة الإحرام التي قال عنها النبي ﷺ: (مَنْ صَلّى لله أربعين يومًا في جماعة يُدركُ فيها التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق). [انظر صحيح الجامع:6365].

 8. مُعسكر القرآن: تلاوة، تدبر، عمل:

قال النبي ﷺ: (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه). (رواه مسلم 1910)، وقال أيضًا: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألِفٌ حرف، ولامٌ حرف، ومِيمٌ حرف) انظر صحيح الجامع: 6469.

 ولكن لابد أنْ تعلم جيدًا أن الأمر ليس مقتصرًا على التلاوة باللسان وفقط، ولكن لابد أيضًا من أنْ تتدبر القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وقال أيضًا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فاللهُ -تبارك وتعالى- وصف القرآن الكريم بأنه كِتابٌ مُبَارك، ثم وَضّحَ الطريق الذي تَحصُلُ به بَرَكَة هذا الكتاب ألا وهو التدبر، والتدبر هو الفَهمُ لما يُتلَى من القرآن الكريم، مع حضور القلب (التركيز)، وخشوع الجوارح، والعمل بمُقتضاه.

لذلك كان لابد بعد تدبر القرآن الكريم من العمل بما فيه، والتَخَلُق بآدابه، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155] وقد قال عبدُ اللهِ بن مَسعود رضي الله عنه: (كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ الآيات لم يتجاوزهُنّ حتى يَعرف معانِيهن والعمل بهن).

وعلى هذا فإذا أردنا أنْ نسلك أقربَ طريق يوصلنا إلى الله –تبارك وتعالى- وبأقل جهد فلنبدأ أولًا بالقرآن الكريم.

وحتى يتم ذلك بخطوات عملية واقعية كان لابد من المشروع التالي:

1- اجعل معك مُصحَفًا صغيرًا لا يفارقك أبدًا، وضع في جَيبك (قلم رُصاص).

 2- ابدأ في تلاوة الوِرْد اليومي (جزء أو نصف جزء) بتركيز شديد -قدر المستطاع- ولا تتجاوز أي آية إلا بعد أنْ تتدبرها، وإنْ لم تتمكن من تدبر الآية إلا بتكرارها فكَرِّرْهَا.

 3- ضع علامة خفيفة بالقلم الرصاص على رقم الآية التي لا تستطيع أنْ تفهم معناها، وعندما تذهب للبيت عليك أنْ تقرأ تفسير هذه الآيات .

4-  حاول أثناء قراءتك في الورْد اليومي أنْ تستخرج الآيات التي فيها الوصايا العملية والأخلاقية؛ من أمرٍ ونهي وإرشاد، ثم اجتهد في تنفيذها.

ثانيًا: لابد أن تعلم هذه السُنن الهامة من سُنن معاملة الله، وأنْ تطبقها في حياتك: 

1-  على قدْر مقام الله -تبارك وتعالى- عندك على قدْر مقامِك عند الله: فإن موسى -عليه السلام- عندما قال:﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾[طه: 84]. قال له الله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾[الأعراف: 144] يعني على قدر ما تستقيم فى رجب وشعبان على قدر ما يفتحُ اللهُ عليك في رمضان.

2 - مَن جعل هَمَّهُ هو الله -جل وعلا- كَفاهُ اللهُ هَمَّ كُلَّ شيء، فقد قال النبى ﷺ: (مَنْ كانت الآخرةُ هَمَّه جعل اللهُ غِنَاهُ في قلبه وجمع له شَمْلَه وأتته الدنيا وهي راغِمة، ومَنْ كانت الدنيا هَمَّهُ جعل الله فقره بين عينيه، وفَرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له). (انظر صحيح الجامع: 6510).

فلذلك لابد أنْ تجعلَ لك هَمًّا واحدًا فقط وهو: إرضاء الله -عز وجل- حتى يَكفيَكَ الله كل الهُموم الأخرى.

3- لا تلتفت عن الله -تبارك وتعالى- فيلتفت اللهُ عنك: قال تعالى :﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[الصف: 5]، فعندما يلتفت قلبك عن الله -سبحانه- إلى دنيا، أو شهوة، أو أي شيء يعطله عن الوصول إليه، فإن العقوبة أول ما تنزل فإنها تنزل على القلب، قال تعالى:﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾[الكهف: 28] فعندما تنزل الغفلة على القلب ستشعر أن همك - الذي جعلته الوصول لإرضاء الله قد تغيَّرَ وصارَ هَمَّاً آخرًا؛ فانتبه.

4-  لا تُفضِّلْ شيئًا على الله -جلَّ وعلا- فيعذبك الله به، قال تعالى:﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[الأنفال: 68]. 

5-  لا تُبَدِلْ، فيُبَدِل اللهُ عليك: قال تعالى حكايةً عن بني إسرائيل: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[البقرة: 59]، فاللهُ -سبحانه وتعالى- وَضّح أنه أرسل عليهم العذاب من السماء، وذلك لأن نِعَمَ اللهِ التي جاءت لهم كانت من السماء مثل: المَنّ - السَلوَى - الغمام وهو السحاب الذى كان يظلهم، فلما بَدَّلُوا تعاليمَ اللهِ وعَصَوا أمرَهُ، بَدّلَ اللهُ عليهم، فأصبح مَصدَرُ الأمانِ هو مَصدَرُ الخوف، ومَصدَرُ الغِنَى هو مَصدَُ الفقر، ومَصدَرُ النعيم هو مَصدَرُ العذاب.

وتجد عكس هذه السُنّة في قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الفرقان: 70]، فكما سَتُبدل للأحسن فإن الله -تعالى- سيجعلك لا تشعر بالندم على أي لحظة مَرّت عليك وأنت بعيدٌ عنه، يعني على قدر ما تبَدِّل في رجب وشعبان للأحسن، على قدر ما يكونُ رمضان القادم أحسن رمضان يَمُرُّ عليك.

.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم