المربي

حين يترك المربي الأفضل لأجل القلوب: درس من بناء الكعبة

حين يترك المربي الأفضل لأجل القلوب: درس من بناء الكعبة

كل مربٍّ يعرف الأفضل: درسٌ أطول، ووردٌ أكثر، وحزمٌ أشد. ويكاد لا يشك أن هذا هو الصواب. ومع ذلك يقع في حياته موقف يكون فيه فعل الأفضل سببًا في نفور الناس منه. فماذا يفعل؟

في هذا المقام قاعدة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أصلها فعل النبي ﷺ.

 

الكعبة على قواعد إبراهيم

ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- أخبر عائشة رضي الله عنها بأنه لولا حداثة عهد قومها بالكفر لأعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام. فترك ذلك الأمر، وهو أفضل ما يرى، مراعاةً لقلوب قوم دخلوا الإسلام حديثًا.

 

ويعلّق ابن تيمية على هذه الواقعة في الفتاوى (24/195) فيقول:

«فالعمل الواحد يكون فعله مستحبًّا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجّح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية. والمسلم يترك المستحب إذا كان بفعله فساد راجح على مصلحته، كما ترك النبي -ﷺ- بناء البيت على قواعد إبراهيم… فترك النبي -ﷺ- هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو حِدثان عهد قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة، ولذلك استحبّ الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين.»

 

ثلاث فوائد في النص

الأولى: الأفضل ليس دائمًا الأنسب. العمل الواحد قد يكون فعله مستحبًّا في وقت وتركه مستحبًّا في وقت آخر، بحسب ما يترجّح من المصلحة. فلا يصحّ أن نحكم على كل موقف بقاعدة واحدة جامدة.

الثانية: التنفير مفسدة. عبّر ابن تيمية عن سبب ترك النبي -ﷺ- لما هو أفضل بقوله: «لما في ذلك من التنفير لهم». فنفور القلوب مفسدة تُوزَن في الميزان كما تُوزَن المصالح.

الثالثة: تأليف القلوب مقصد. وقد جعل الأئمة هذا المعنى في صلاة الجماعة نفسها: أن يترك الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان في تركه تأليف للمصلين. فإذا كان هذا في الصلاة، ففي التربية أولى.

 

ماذا يعني هذا للمربي؟

1) لا تحمّل المبتدئ ما يحمله المتقدّم. قد يكون الورد الطويل أفضل، لكن طالبًا حديث عهد بالالتزام قد ينفر منه. فابدأ بما يطيق، وارتقِ به.

2) قدّم تأليف القلب على إظهار الحق الكامل دفعة واحدة. ليس معنى هذا كتم الحق، بل ترتيبه: ما يُقال اليوم، وما يؤجَّل إلى حين تتهيأ النفس له.

3) انظر إلى حال المتلقّي لا إلى حالك. ما تراه أنت أفضل قد يراه الطالب ثقيلًا. فاسأل نفسك: ماذا يترتب على فعله الآن؟

4) لا تجعل ترك الأفضل ضعفًا ولا تساهلًا. فالنبي -ﷺ- ترك البناء لمفسدة راجحة، ولم يتركه ملالةً ولا تهاونًا. والمربي يتوقف عند الأفضل لأجل ثمرة أبقى.

5) راجع القرار حين تتغير الحال. فقد ترك النبي -ﷺ- البناء حين كانت قريش حديثة عهد بالإسلام، وتغيّر الحال بعد ذلك. وكذلك المربي: يعيد النظر حين يشتدّ عود طلابه.

 

ما نحذر منه

  • أن نجعل «المصلحة» ذريعة لترك الواجب. فالواجبات لا تُترك لأجل التأليف، والكلام هنا في المستحبّ والأفضل.
  • أن نتراخى باسم الرفق. فالرفق تدرّج لا إسقاط.
  • أن ننسب كل ترك إلى «المصلحة» دون ميزان. بل لا بد من نظر في الراجح والمرجوح.

 

خاتمة

يعرف المربي الأفضل، لكن حكمته أن يعرف متى يفعله. ومن الأدب أن يتعلم من ترك النبي -ﷺ- ما كان يراه أفضل، من أجل قلوب قومٍ ما زالوا في أول الطريق.

 

 

اقرأ أيضًا: رهبان بالليل فرسان بالنهار.. تربية الأبناء بين الغلو والإفراط

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم