كثيرٌ من الناس يخلط بين الدقّة في الدين والتشدّد فيه؛ فيظنّ أن من يُثقل على نفسه وعلى من حوله أكثر تديّنًا، وأن من ييسّر متساهلٌ ناقص الورع. وهذا فهمٌ يقلب الميزان الشرعي رأسًا على عقب؛ فقد جاء عن السلف كلامٌ حاسم في هذا: "ليس العلم في التشديد فإنه يحسنه كلّ أحد، وإنما العلم الرخصةُ من ثقة".
التشديد يُحسنه كلّ أحد
فتأمّل دقّة هذه العبارة: التشديد يُحسنه كلّ أحد؛ فأيّ جاهلٍ يستطيع أن يقول "هذا حرام" و"هذا ممنوع" دون أن يكلّفه ذلك فهمًا ولا نظرًا ولا اجتهادًا. أمّا العلم الحقيقي فهو أن تعرف متى تُيسّر، ولماذا يجوز هذا في هذه الحال، وكيف ترفع الحرج عمّن يستحقّه؛ وهذا لا يقدر عليه إلا ثقة — أي عالمٌ راسخ يعرف مقاصد الشريعة لا نصوصها المجرّدة فقط.
فالتشدّد سهلٌ لأنه لا يحتاج فهمًا للمقاصد، بل يكفي فيه الأخذ بظاهر النصّ دون نظرٍ في عِلّته وحكمته وموازنته مع غيره؛ أمّا التيسير الصحيح فيحتاج علمًا عميقًا يميّز بين ما يحتمل التيسير وما لا يحتمله.
الأصل اليسر لا العسر
وهذا المبدأ أصلٌ قرآنيّ صريح؛ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وقد قُرّرت في الفقه قاعدةٌ جامعة: "المشقّة تجلب التيسير"؛ فكلّما اشتدّت المشقّة على المكلَّف، اتّسع له باب الرخصة، وكلّما خفّت رجع الأمر إلى أصله.
والأصل في الأمور الإباحة؛ فما لم يرد نصٌّ بتحريمه فهو على أصل الحِلّ، وقد فصّل الله ما حرّم علينا وأحلّ لنا ما وراء ذلك. فمساحة المباح في حياتنا واسعة، وليست ضيّقةً كما يصوّرها المتشدّدون.
أثر هذا الفهم على تربية الجيل
وهذا المبدأ ليس مسألةً فقهيّة نظرية فحسب، بل له أثرٌ مباشر في كيف يحبّ الناشئ دينه أو ينفر منه:
التشدّد ينفّر، واليسر يحبّب. فالطفل الذي يُقدَّم له الدين قائمةً طويلة من الممنوعات بلا رحمةٍ ولا مراعاةٍ لسنّه وطاقته، ينشأ وقد أثقل الدين على قلبه؛ أمّا الذي يُقدَّم له بيسرٍ ورحمة، فينشأ محبًّا له مقبلًا عليه.
التشدّد يصنع نفاقًا، واليسر يصنع صدقًا. فمن كُلّف فوق طاقته، أظهر الالتزام وأخفى المخالفة؛ ومن رُوعيت طاقته، التزم عن صدقٍ لأن ما طُلب منه في وسعه.
التشدّد يُقصي، واليسر يجمع. فالمتشدّد يُخرج من الدين كلّ من قصّر عن كماله المتوهَّم، والميسِّر يحتضن الجميع على قدر استطاعتهم.
كيف نطبّق هذا مع أبنائنا؟
فرّق بين الثابت والمساحة الواسعة. فبعض الأمور محسومة لا تقبل التيسير، وأكثرها مساحةٌ واسعة من المباح؛ فلا تُضيّق ما وسّعه الله، ولا تحمّل ابنك فوق طاقته في غير الواجبات.
راعِ السنّ والطاقة والظرف. فما يُطلب من الكبير ليس كما يُطلب من الصغير، وما يُطلب من القويّ ليس كما يُطلب من المريض؛ فالشريعة نفسها راعت هذا، فراعه أنت في تربيتك.
اطلب العلم قبل أن تُصدر حكمًا. فإن ترددّتَ في مسألة، فاسأل أهل العلم الراسخين بدل أن تأخذ بالأشدّ ظنًّا أنه الأورع؛ فكم من فتوى متشدّدة صدرت عن جهلٍ بمقاصد الشريعة لا عن تقوى.
خاتمة
التشدّد لا يحتاج علمًا، والتيسير الصحيح ثمرة علمٍ راسخ. فلا تظنّ أن كلّ من ضيّق عليك أتقى ممّن يسّر لك؛ بل "إنما العلم الرخصةُ من ثقة". فربِّ أبناءك على دينٍ يُحبَّب لا يُثقَّل، فيألفوه محبّةً لا يتخلّون عنه أوّل ما تخفّ الرقابة.
اقرأ أيضًا: أربع خصائص تصحح مسار المربي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.