مقالات تربوية

حِلف الفضول: حين أثنى النبي ﷺ على تحالف عُقد قبل أن يُبعث

حِلف الفضول: حين أثنى النبي  ﷺ على تحالف عُقد قبل أن يُبعث

قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات، اجتمعت عدّة قبائل في مكة على ميثاقٍ أخلاقيّ يُعرف بـ**"حِلف الفضول"**؛ تعاهدوا فيه على نصرة المظلوم، والدفاع عن الحقّ، والأخذ للضعيف من القويّ. وبعد أن بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، لم يتبرّأ من هذا الحلف الجاهليّ، بل أثنى عليه وقال ما معناه: لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حِلفًا ما أُحبّ أنّ لي به حمر النّعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت.

 

ثناءٌ يتجاوز الانتماء

فتأمّل هذا الموقف: حِلفٌ عُقد قبل الإسلام، بين قومٍ لم يكونوا مسلمين، ومع ذلك أثنى عليه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم بعد بعثته. لماذا؟ "لأنه كان تجمّعًا أخلاقيًّا، وميثاقًا إنسانيًّا، تنادت فيه المشاعر الإنسانية الكريمة لنصرة المظلوم، والدفاع عن الحقّ". فالمعيار الذي حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن من فعله، بل ما الذي فعله؛ لم يسأل: أمسلمون عقدوه أم كفّار؟ بل سأل: أعدلٌ هذا أم ظلم؟

 

قيمٌ تلتقي عليها الفطرة قبل الشرائع

وهذا الموقف يُرسي مبدأً عميقًا: أن هناك قيمًا فطرية يشترك فيها الناس جميعًا — بمختلف أديانهم وأزمانهم — "بسبب فطريتها التي يشتركون جميعًا فيها". فجميع الناس يشتركون في تقدير الصدق، ونصرة المظلوم، والوفاء بالعهد؛ وهذه القيم "هي أخلاقٌ قرآنية أيضًا، لأن القرآن يؤكّد على مقتضيات الفطرة وموجباتها". فليست هذه القيم ملكًا لفئةٍ دون أخرى؛ بل هي أرضٌ مشتركة يلتقي عليها كلّ إنسانٍ سويّ الفطرة، مهما اختلف دينه أو زمانه.

 

درسٌ معاصر: التحالف من أجل القيم

ومن هذا الموقف النبويّ يُستخلَص توجيهٌ لنا اليوم: "وهذا يدعو المسلمين اليوم لإنشاء مثل هذه التحالفات والتكتلات والمواثيق التي تخدم أصولًا أخلاقية، وتنتصر لقضايا قيمية، وتخدم مشتركات فطرية وإنسانية، حتى لو كان بعض أطرافها" من غير أهل ملّتنا. فالانتصار للعدل ونصرة المظلوم لا يحتاج أن يكون جميع من يشاركك فيه على دينك؛ فما دامت القضية حقًّا، والغاية عدلًا، فالتعاون عليها مشروعٌ ومحمود.

 

كيف نربّي أبناءنا على هذا الميزان؟

علّمهم أن يُقدّروا الخير بصرف النظر عن فاعله. فحين يرون إنسانًا من دينٍ آخر أو خلفيةٍ مختلفة يفعل خيرًا — ينصر مظلومًا، أو يفي بوعد، أو يصدق في معاملة — علّمهم أن يُقدّروا هذا الفعل بذاته، لا أن يردّوه لمجرّد اختلاف صاحبه عنهم.

حصّنهم من التعصّب الذي يرفض الحقّ لمصدره. فبعض الناس يرفضون فكرةً نافعة أو موقفًا عادلًا لمجرّد أن قائله ليس "منهم"؛ وهذا عكس ما فعله النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أثنى على حلفٍ عقده مشركون.

ربِّهم على معيار "ما الفعل؟" لا "من الفاعل؟". فحين يُقيّمون موقفًا أو قرارًا، درّبهم أن يسألوا: هل هذا عدلٌ أم ظلم؟ لا: من صاحبه؟ فهذا الميزان يحميهم من ظلمين: ظلم رفض الحقّ لمصدره، وظلم قبول الباطل لمصدره أيضًا.

اغرس فيهم الاستعداد للتعاون على الخير مع المختلفين. فالتعاون في نصرة مظلومٍ أو إغاثة محتاجٍ لا يشترط اتّفاق كلّ المشاركين في كلّ شيء؛ فما دامت الغاية نبيلة، فالتعاون عليها محمود ولو تنوّع المشاركون فيها.

 

خاتمة

حين أثنى النبيّ صلى الله عليه وسلم على حِلفٍ عُقد في الجاهلية، علّمنا درسًا لا يزال حيًّا: قيّم الفعل بذاته، لا بهويّة فاعله. فالعدل عدلٌ ولو جاء من غير ملّتك، والظلم ظلمٌ ولو جاء ممّن يشبهك. فربِّ أبناءك على هذا الإنصاف، يصيروا قادرين على تقدير الخير أينما وجدوه، والتعاون عليه مع كلّ من يشاركهم القيمة، لا الانتماء فقط.

 

 

اقرأ أيضًا: خطابٌ غيّر قرار ملك وأثر التربية في الناس

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم