في بيوت كثيرة حماسةٌ لتعليم الأبناء الأذكار الطويلة وصيام الاثنين والخميس وقيام الليل، وهذا حسن. لكن قد يحدث أن تكون صلاة الفجر ضائعة، أو تؤدَّى الصلوات متأخرة وبلا خشوع، بينما ينشغل البيت بالنوافل. فكيف نرتّب الأمور؟
الحديث
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه." (رواه البخاري).
ماذا يقول لنا؟
أولًا: الفريضة هي الأحب. قال الله: ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه. فأحب القربات هي الفرائض: الصلاة، والصيام، والزكاة، وبرّ الوالدين، والصدق، وأداء الأمانة. وليس في الحديث ما يجعل النافلة بديلًا عنها.
ثانيًا: النوافل تُكمل لا تُعوّض. قال: وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل. فالنافلة تأتي بعد الفريضة، وتصعد بالعبد من أداء الواجب إلى محبة الله له.
ثالثًا: الثمرة عظيمة. "فإذا أحببته كنت سمعه… " ومعناه أن الله يوفّقه في سمعه وبصره ويده ورجله فلا يستعملها إلا فيما يرضيه. وهي ثمرة تربوية عظيمة: جوارح تُستعمل في الخير.
رابعًا: الإجابة والحماية. "وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه." فمن أحبّه الله استجاب دعاءه وحفظه.
كيف نطبّقه في البيت؟
1) ابدأ بالفرائض وثبّتها. اجعل الصلاة في وقتها أولوية البيت. ومن فاتته الفجر لا نقول له "أكثر من الأذكار"، بل: "كيف نعينك على الفجر؟"
2) أضف النافلة بالتدرج. بعد أن تثبّت الفريضة، أضف نافلة واحدة صغيرة: ركعتان بعد الظهر، أو صيام يوم في الأسبوع. ولا تضف خمسًا دفعة واحدة.
3) لا تجعل النافلة معيارًا للقيمة. لا تقل: "أخوك يقوم الليل وأنت لا." فالفريضة هي الميزان، والنافلة هدية.
4) اربط النوافل بالحب لا بالخوف. الحديث يتحدث عن "حتى أحبه". فاجعل الطفل يرى النافلة طريقًا إلى محبة الله، لا ضريبة مفروضة.
5) راجع فرائض البيت كلها. فالفرائض ليست الصلاة وحدها. كم يمنح البيت من وقت لبرّ الوالدين؟ وللصدق؟ وللأمانة؟ والاعتناء بهذه من أحب القربات.
6) كن القدوة. إذا رأى الأبناء أباهم يحافظ على الفرائض ويضيف نافلة واحدة بانتظام، فتعلّموا الترتيب دون شرح.
ما نحذر منه
- النافلة على حساب الفريضة. كأن يسهر الابن على ذكر أو ورد فينام عن الفجر.
- الغلو. نافلة تحمّلها طفلًا لا يطيقها قد تنفّره من العبادة كلها.
- الاستهانة بالنافلة. فالحديث يمدح من لا يزال يتقرب بها حتى يُحب.
خاتمة
إذا أردنا أن نربي أبناءنا على محبة الله، فلنبدأ بما أحبه الله أولًا: الفرائض، ثم نفتح لهم باب النوافل. ولنتذكر أن غاية الطريق ليست كثرة الأعمال وحدها، بل أن يحبّنا الله فيكون معنا في سمعنا وبصرنا وخطانا.
اقرأ أيضًا: دروس تربوية للأمة ووقفة مع آية العدل والإحسان
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.