الأسرة

البيت المسلم

نُحسن للغرباء وننسى أهلنا.. فأين "خيركم خيركم لأهله"؟

نُحسن للغرباء وننسى أهلنا.. فأين

من أعجب ما نقع فيه أن نُحسن انتقاء كلماتنا مع الزملاء والغرباء، ونبتسم في وجوههم، ونتغافل عن هفواتهم؛ ثم نعود إلى البيت فنعامل أقرب الناس إلينا بأقسى ما عندنا: أمرٌ جافّ، ونقدٌ متتابع، ووجهٌ عبوس. وكأن اللطف بضاعة نوزّعها على من نلقاهم عابرين، ونمنعها عمّن نعيش معهم العمر كله. وهذه المفارقة وحدها سبب كافٍ لبرود كثير من البيوت.

والنبي -ﷺ- صحّح هذا الميزان في كلمة جامعة: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فجعل معيار الخيرية ليس ما نقدّمه في الخارج، بل ما نكون عليه في الداخل، حيث لا يرانا أحد، ومع من لا نتكلّف لهم. والعجيب أن المفاتيح التي تكسب بها قلوب الناس عمومًا هي نفسها التي تكسب بها قلوب أهلك، لكننا نطبّقها مع الغرباء وننساها في بيوتنا.

 

أن تُظهر الحب لا أن تكتفي بوجوده

كثير من الأزواج يحبّ ولا يقول، ويقدّر ولا يعبّر، ظنًّا أن المحبة المفترضة تغني عن المعلنة. وقد علّمنا النبي -ﷺ- أن المحبة إذا قِيلت أثبتُ وأبقى: "إذا أحبّ أحدكم أخاه فليُعلمه". فإذا كان هذا في الأخ، فالزوج والأبناء أولى. فكلمة "أحبّك" لزوجك، و"أنا فخور بك" لابنك، ليست ترفًا، بل غذاءٌ للقلب ينبت في نفوسهم أمانًا لا يصنعه شيء آخر.

 

أن تفسح لهم وتنصت إليهم

الفسح في المجلس الذي يصفّي ودّ الغريب، صورته في البيت أن تفسح لأهلك مساحةً في وقتك وانتباهك؛ أن تُنصت لحكاية ابنك كاملة، وتسمع همّ زوجك دون أن تقاطع أو تصدر حكمًا. فأكثر ما يجرح أهل البيت ليس الخلاف، بل الشعور بأنهم لا يُسمَعون؛ ومن أصغى لأهله أشعرهم أنهم يستحقّون وقته، وهذه رسالة حب صامتة.

 

أن تسعى في حوائجهم وتخدمهم

كان النبي -ﷺ- وهو سيد الخلق: "في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إليها" كما وصفته عائشة رضي الله عنها. فخدمة الأهل ليست نقصًا في الرجولة، بل قمة الخُلق؛ والأب الذي يشارك في شؤون البيت، والزوج الذي يعين زوجته، يكسب من القلوب ما لا يكسبه بالأوامر. وقضاء حاجة فردٍ من أهلك ــ وأنت تراها صغيرة ــ قد تكون عنده عظيمة، تبقى في قلبه سنين.

 

أن تُهدي وتتغافل

قال ﷺ: "تهادَوا تحابّوا"؛ والهدية بين أهل البيت ــ وإن قلّ ثمنها ــ تُذيب ما تراكم من جفاء الأيام. وأختها التغافل؛ فالبيوت لا تُبنى على المحاسبة الدقيقة، بل على العفو عن الهفوات وتجاوز الزلّات. ومن استقصى كل خطأ لأهله أتعبهم وأتعب نفسه، ومن تغافل عن كثيرٍ سلمت مودّته.

 

أن تدعوهم بأحبّ الأسماء

ناداهم بأحبّ أسمائهم وألطف الكلمات، واترك التنابز والألقاب الجارحة ولو مازحًا؛ فالكلمة التي يظنّها الأب مزحة قد تستقرّ في قلب الابن جرحًا. وكان من هدي النبي -ﷺ- أن يكنّي أصحابه ويلاطف الصغار بأحبّ ما يحبّون، حتى سأل الطفل عن طائره: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟".

 

خاتمة

بيتك أولى الناس بأطيب ما فيك، لا آخرهم؛ فلا تُنفق رصيد لطفك كله في الخارج وتعود إلى أهلك مفلسًا. اجعل أحبّ الناس إليك أحقّهم بابتسامتك وكلمتك الطيبة وخدمتك وهديتك؛ فمن كسب قلوب أهله، عمر بيته بالمودة، وربّى أبناءه على أن الحب يُقال ويُفعل، فحملوا هذا إلى بيوتهم من بعده.

 

 

اقرأ أيضًا: لغة الحوار في البيت المسلم: كيف نستعيد الجسور مع أبنائنا؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم