مقالات تربوية

ملــف أولادنــا

المرجعية قبل التفاصيل: لماذا يحتاج أبناؤنا إلى بوصلة واحدة؟

المرجعية قبل التفاصيل: لماذا يحتاج أبناؤنا إلى بوصلة واحدة؟

لم يكن أسلافنا يحتاجون إلى مَنْ يذكّرهم بمرجعيّتهم؛ فمنذ عصر البعثة وعبر القرون، كان الوحي الإلهي والبلاغ القرآني هو الذي قرّر للناس أن هذا الدين هو السبيل والصراط المستقيم، وكانت هذه المرجعية بديهيةً مسلَّمة لا تحتاج تأكيدًا، لأن أحدًا لم يزاحمها. فلمّا وفدت إلى ديارنا ــ قبل قرنين ــ مرجعياتٌ حضارية أخرى لا تعتمد الدين في مكوّناتها، نشأت لأوّل مرة الحاجة إلى التذكير بما كان مسلَّمًا: أن مرجعيتنا وحيُ الله تعالى.

وهذه الحاجة اليوم أشدّ منها في أيّ وقت؛ فأبناؤنا لا تفد إليهم المرجعيات عبر كتبٍ وبعثات كما كان، بل عبر شاشةٍ في جيب كلّ واحدٍ منهم، تعرض عليه كلّ يومٍ عشرات المرجعيات المتنافسة: فلسفاتٍ ورؤًى وأنماط حياةٍ وموازين للصواب والخطأ، كلٌّ يقدّم نفسه "السبيل". فالسؤال التربوي الأوّل لم يعد: ماذا نعلّم أبناءنا من التفاصيل؟ بل: على أيّ مرجعيةٍ نؤسّسهم قبل التفاصيل؟

 

ما الذي تصنعه المرجعية في الناشئ؟

المرجعية بوصلة؛ ومن ملك بوصلةً واحدة واضحة، عرف كيف يزن كلّ جديدٍ يَرِد عليه: يقبل ما وافقها، ويردّ ما ناقضها، ويتوقّف فيما أشكل حتى يزنه. أمّا من نشأ بلا مرجعيةٍ راسخة، فتتقاذفه السبل؛ يتبنّى اليوم فكرة ويهجرها غدًا، ويستحسن الشيء وضدّه، ويصير قلبه ساحةً مفتوحة لآخر ما سمع. وقد رسم القرآن هذين الطريقين في آيةٍ جامعة:﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾[الأنعام: 153]؛ فهو صراطٌ واحد، وسُبلٌ كثيرة متفرّقة، ومن لم يثبّت قدمه على الأوّل بعثرته الثانية.

وليست المرجعية قيدًا على عقل الناشئ كما قد يُتوهَّم؛ فمرجعية الوحي تزاوج بين العقل والشرع: تُعمل العقل في الفهم والنظر والموازنة، وتردّه عند التحسين والتقبيح النهائيّين إلى ميزان الشرع. فهي تحرّر العقل من عبودية الأهواء والموضات الفكرية، وتمنحه أرضًا صلبة يقف عليها وهو ينظر في كلّ جديد؛ فالعقل بلا مرجعيةٍ ريشةٌ في مهبّ الآراء، وبالمرجعية ميزانٌ راجح.

 

كيف نؤسّس المرجعية في أبنائنا؟

قدّم الأصل قبل الفروع. أسّس في ابنك أن القرآن الكريم والسنّة النبوية ميزان الحقّ عنده، قبل أن تغرق معه في تفاصيل الأحكام؛ فمن رسخ عنده الأصل، سهُل ردّ كلّ فرعٍ إليه. علّمه أن يسأل عند كلّ جديد: ما موقف ديني من هذا؟ فتصير المراجعة إلى المرجعية عادةً عقلية عنده.

علّمه المرجعية بالفهم لا بالتلقين. فالمرجعية التي تُحفظ شعارًا ولا تُفهم منهجًا، تنهار عند أوّل شبهة. اشرح له لماذا كان الوحي أوثق مرجع: لأنه من خالقٍ يعلم من خلق، لا من بشرٍ تتقلّب ظنونهم؛ ودرّبه على أن يزن الأفكار الوافدة بميزانه: يأخذ النافع الذي لا يصادم أصلًا ــ فالحكمة ضالّته ــ ويردّ ما ناقض المرجعية مهما لمع.

كن أنت مرجعيةً حيّة أمامه. فالطفل يقرأ مرجعيّة أهله من سلوكهم قبل كلامهم؛ فإذا رآك تردّ الأمور عند الاشتباه إلى الشرع، وتقدّم حكم الله -عز وجل- على هواك وعلى "ما يفعله الناس"، تعلّم أن المرجعية شيءٌ يُعاش لا شعارٌ يُرفع.

لا تعزله عن المرجعيات الأخرى بل حصّنه أمامها. فالعزل لم يعد ممكنًا في زمن الشاشات؛ والبديل بناء المناعة: عرّفه -على قدر سنّه- بأن في العالم رؤًى مختلفة، وأنّ لكلّ حضارةٍ إنجازاتها وإخفاقاتها، وأن ميزاننا لا ينبهر ولا يحتقر، بل يزن. فالمحصَّن يلقى الأفكار فيَزِنها، والمعزول يلقاها فتجرفه.

 

خاتمة

قبل أن تنشغل بملء عقل ابنك بالمعارف، ثبّت تحت قدميه الأرض التي يقف عليها: مرجعيةَ الوحي التي تزاوج بين الشرع والعقل. فالتفاصيل تتغيّر وتُنسى، والبوصلة تبقى؛ ومن ربّى ابنه على صراطٍ واحدٍ مستقيم، أمِن عليه أن تتفرّق به السبل مهما تزاحمت على شاشته المرجعيات.

 

 

اقرأ أيضًا: كيف تربّي طفلا سليم العقيدة؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم