من أعظم ما أنجزه المشروع النبوي أنه نقل المرأة من موقعٍ إلى موقعٍ آخر تمامًا؛ فقد كانت تُوأد وتُحتقر ويُنظر إليها متاعًا، فجاء الإسلام ليقرّر إنسانيّتها وكرامتها وحقوقها. وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "استوصوا بالنساء خيرًا"، وقرّر أن "خيركم خيركم لأهله".
لكنّ السؤال التربوي اليوم ليس: هل كرّم الإسلام المرأة؟ فذاك مقرَّر في النصوص. السؤال: هل تعيش بناتنا هذا التكريم واقعًا في بيوتنا؟ فالتكريم الذي يبقى في الكتب ولا ينزل إلى تفاصيل البيت لا يصنع فتاةً واثقة كريمة.
أوّلًا: أشعِر ابنتك بقيمتها عندك
الفتاة التي تنشأ وهي تشعر بأنها أقلّ من أخيها في نظر أهلها، تحمل هذا الشعور عمرها كلّه؛ فتقبل من الحياة أقلّ ممّا تستحقّ. فاحرص أن تشعر ابنتك أنها مكرّمة محبوبة بذاتها: عبّر لها عن حبّك وفخرك بها، وامدح إنجازها، واحتفِ بها كما تحتفي بأخيها، وأشعرها أن وجودها في البيت نعمةٌ لا عبء.
ثانيًا: اعدل بين أبنائك وبناتك
فالعدل هو الترجمة العملية للتكريم؛ فلا تُميّز الابن على ابنته في العطاء، ولا في الاهتمام، ولا في فرص التعليم، ولا في حقّ إبداء الرأي. فالطفلة التي ترى أخاها يُستشار وهي تُهمَل، أو يُعطى وهي تُحرم، تتعلّم أن قيمتها أدنى مهما سمعت من كلامٍ عن التكريم. والعدل بينهم ليس فضلًا منك بل حقٌّ عليك.
ثالثًا: ربِّ ابنتك على أن قيمتها في تقواها وعقلها لا في مظهرها
ففي زمنٍ تُختزل فيه قيمة الفتاة في صورتها، تحتاج ابنتك من يذكّرها أن ميزان الكرامة عند الله واحد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: 13]، وأن قيمتها في دينها وعلمها وأخلاقها وأثرها. فاحرص على أن يكون تقديرك لها مبنيًّا على ما تصنع لا على ما تبدو؛ فبذلك تحصّنها من أن تبيع كرامتها لأجل إعجاب.
رابعًا: علّمها العلم والوعي
فقد شجّع الإسلام تعلّم المرأة، وكان من نساء الصحابة عالماتٌ وفقيهاتٌ ومحدّثات. فالبنت المتعلّمة الواعية أقدر على حفظ نفسها وحقوقها، وأقدر على تربية أجيالٍ من بعدها. فلا تجعل تعليم ابنتها أقلّ اهتمامًا من تعليم ابنك؛ فأنت لا تعلّم فردًا بل جيلًا.
خامسًا: ربِّ ابنك على احترام أخته
وهذا نصف المسألة الذي نغفل عنه؛ فتكريم المرأة لا يتحقّق بتربية البنت وحدها، بل بتربية الولد على احترامها. فعلّم ابنك ألّا يرفع صوته على أخته، ولا يستخدمها خادمةً له، ولا يتعالى عليها بذكورته؛ وذكّره بحديث "خيركم خيركم لأهله"، فالزوج الصالح يُصنع في بيت أبيه قبل بيت زوجيّته.
سادسًا: كن أنت النموذج في معاملة أمّها
فأعمق درسٍ تتلقّاه ابنتك عن قيمتها كامرأة هو نظرك إلى أمّها؛ فإن رأت أباها يحترم أمّها ويستشيرها ويقدّرها، عرفت ما تستحقّه وما تقبله في المستقبل. وإن رأت العكس، تعلّمت أن هذا هو المألوف الذي يُحتمل. فأنت ــ بمعاملتك لزوجك ــ تكتب معايير ابنتك في الحياة.
خاتمة
لقد نقل الإسلام المرأة من الوأد إلى الكرامة؛ وبقي علينا أن ننقل هذا التكريم من النصوص إلى بيوتنا. فأشعِر ابنتك بقيمتها، واعدل بينها وبين إخوتها، وعلّمها، وحصّنها بميزان التقوى، وربِّ ابنك على احترامها، وكن أنت النموذج. فبذلك تُخرج للحياة امرأةً تعرف قدرها، ورجلًا يعرف قدرها؛ وبهما معًا يتحقّق التكريم واقعًا لا شعارًا.
اقرأ أيضًا: كيف نعيد للبيت مودته ورحمته؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.