قد نظنّ أن تعليم الطفل أن يطرق الباب قبل أن يدخل، وأن يستأذن قبل أن يأخذ، تفصيلٌ صغير من تفاصيل الأدب. والحقيقة أن هذا "التفصيل الصغير" بابٌ واسع لتربية قيمةٍ كبرى: احترام الحدود والخصوصية. فالطفل الذي يتعلّم أن لكلّ إنسانٍ حرمةً لا تُنتهك، ولكلّ بابٍ إذنًا يُطلب، ينشأ على احترام الآخرين في كلّ شؤون حياته؛ والذي يتعلّم أن يقتحم ويأخذ بلا استئذان، يحمل هذا التطاول إلى علاقاته كلها.
وقد جعل القرآن الاستئذان أدبًا من آداب العابدين، فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾[النور: 27]. فالعابد يعرف للبيوت حرمتها، ولا يقتحم على الناس خصوصيّتهم. وهذا أدبٌ يبدأ تعليمه من داخل البيت قبل خارجه.
كيف نغرس أدب الاستئذان؟
ابدأ بالاستئذان داخل بيتك. علّم أبناءك أن يطرقوا باب غرفة إخوتهم قبل الدخول، وأن يستأذنوا قبل أن يأخذوا أغراض غيرهم، وأن يطرقوا باب غرفتك أنت. وقد أمر الله بهذا صراحةً حتى بين أفراد البيت الواحد في أوقاتٍ بعينها:﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾[النور: 58]. فالبيت الذي يُحترم فيه استئذان أهله بعضهم بعضًا، يخرّج أبناءً يحترمون الناس جميعًا.
كن أنت قدوةً في احترام خصوصيّتهم. فكما تطلب من ابنك أن يستأذن، استأذنه أنت في دخول غرفته وقراءة دفتره؛ فالطفل الذي يُحترم خصوصيّته يتعلّم احترام خصوصيّة غيره. أمّا الأب الذي يقتحم عالم ابنه بلا حدود، ثم يطالبه بالأدب، فيناقض نفسه.
اربط الأدب بمراقبة الله. فأعمق ما نغرسه في الطفل أن يشعر أن الله يراه حتى حين لا يراه أحد. وقد صاغ لقمان هذا المعنى لابنه في أبلغ صورة:﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾[لقمان: 16]. فالطفل الذي يعلم أن الله مطّلعٌ على أصغر أفعاله، يحفظ الحدود حتى في غيبة الرقيب؛ وهذا أعظم حارسٍ للأخلاق.
علّمه غضّ البصر عمّا لا يحلّ. فمن أدب العابد الحياء والعفّة وغضّ البصر:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾[النور: 30]. وفي زمن الشاشات المفتوحة، صار تعليم الأبناء أن يغضّوا أبصارهم عمّا لا يحلّ ــ في الواقع وعلى الشاشة ــ من أهمّ ما يحصّن طفولتهم؛ ويبدأ ذلك بأن نربّيهم على أن العين أمانة، وأن الحياء خُلقٌ جميل لا قيدٌ ثقيل.
أدبٌ صغير.. أثرٌ كبير
وقد يستهين بعض الآباء بهذه الآداب ظنًّا أنها شكليّات؛ والحقيقة أنها تبني في الطفل منظومةً كاملة من احترام الحدود: حدود الناس، وحدود الخصوصية، وحدود ما أحلّ الله وما حرّم. فمن نشأ يستأذن ويغضّ بصره ويراقب الله، حمل هذا الاحترام إلى كلّ علاقاته؛ ومن نشأ يقتحم ويتطاول ولا يراقب أحدًا، صعب ضبطه كبيرًا.
خاتمة
لا تستصغر أدبًا تغرسه في طفلك؛ فالاستئذان الذي تعلّمه إياه اليوم يصير غدًا احترامًا للناس وحدودهم، ومراقبة الله التي تزرعها فيه تصير حارسًا لأخلاقه حين تغيب عنه كلّ عين. فابدأ من الباب الصغير ــ طرقةٌ، واستئذان، ونظرةٌ تُغضّ ــ تفتح لابنك باب الأخلاق كلها.
اقرأ أيضًا: تحبيب الله إلى أبنائنا: كيف نربّي قلبًا يعبد الله شوقًا لا خوفًا فقط؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.