بحوث ودراسات

القراءة المقاصدية للتاريخ وإعداد الأمة لعصر جديد: كيف نستخدم دراسة التاريخ في التربية وإعداد القيادات؟

القراءة المقاصدية للتاريخ وإعداد الأمة لعصر جديد: كيف نستخدم دراسة التاريخ في التربية وإعداد القيادات؟

 

إن إعداد الأمة الإسلامية لبناء المستقبل يحتاج إلى تطوير مقاربات جديدة لدراسة التاريخ وتحويله إلى مصدر قوة للأمة، ومن أهم هذه المقاربات القراءة المقاصدية للتاريخ، فهذه القراءة يمكن أن تشكل بداية مشروع معرفي جديد، وتفتح آفاقا جديدة لتطوير الكثير من العلوم من أهمها السياسة والاجتماع والقيادة والتربية.

وهذه المقاربة تسهم في زيادة قدرتنا على تجاوز المناهج الغربية في دراسة التاريخ، وتحقيق الاستقلال الثقافي والعلمي، وبناء صورة الأمة الإسلامية، والكشف عن دورها في بناء الحضارة والثقافة وحماية الإنسانية وتحقيق العدل، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه.

ونحن يمكن أن نبني القراءة المقاصدية للتاريخ كمنهج إسلامي مبدع وأصيل، نستمد أسسه العلمية من القرآن الكريم، وهذا يشكل نقلة نوعية في منهجية التعامل مع التاريخ من منظور حضاري إسلامي.  

الانطلاق من مقاصد الشريعة

والقراءة المقاصدية للتاريخ هي منهج في دراسة الأحداث والظواهر التاريخية ينطلق من مقاصد الشريعة الكبرى كتحقيق العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ الدين والعقل والنفس والمال  باعتبارها موجهات معرفية وتحليلية لفهم مسار التاريخ وتفسير تحولات الأمم.
فهي قراءة لا تكتفي بالسرد أو التفسير المادي للتاريخ، بل تبحث عن الغاية والسنن الكامنة في الوقائع، ومعرفة أسباب صعود الأمم  وهلاكها وانهيارها. 

الأسس النظرية للقراءة المقاصدية للتاريخ 

الوعي بالسنن  

فالتاريخ في ضوء القرآن الكريم تجلٍّ لسنن الله في الكون والمجتمع:﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[آل عمران: 137]. كما تكرر هذا الأمر في سورة الأنعام الآية 11.

والقراءة المقاصدية تنطلق من فهم هذه السنن لتكتشف "المغزى  والمعنى" لا مجرد "الخبر". 

حيث يقول الطاهر بن عاشور: "أمر الله بالاعتبار بمن مضى من الأمم الذين كذبوا الرسل، فإن آثارهم باقية في الأرض يمر بها الناس، فيرون مساكنهم الداثرة، وآثار حضارتهم الزائلة، فيعلمون أن الله أهلكهم بسبب تكذيبهم، بعد أن كانوا في عز ومنعة". 

والله يأمر المؤمنين بأن  ينظروا نظر تفكر واستدلال، لا نظر متعة وسياحة، فإن السير في الأرض لأجل الاعتبار سنة من سنن العقلاء.

والآية تذكير بما تقرر في عقول الناس من أن ما حل بالأمم البائدة لم يكن إلا جزاء لأعمالهم، فذلك من سنن الله التي لا تتبدّل، وفي هذا الأمر بالسير في الأرض توجيهٌ للناس إلى الاستبصار بآثار التاريخ، فإنّ بقاء آثار المكذبين في الأرض من دلائل صدق الوحي، لأنها تشهد على أن لله في خلقه سننا مطردة في إهلاك الظالمين.

وقوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾:تفريع على السير، أي: اجعلوا السير وسيلةً للنظر والاعتبار، فليس الغرض المشي ذاته، بل ما يؤدي إلىه من بصيرةٍ في التاريخ وسنة الله في الأمم.

وفي هذا دليل على أنّ التاريخ ميدان للتفكير الحضاري، وأنّ الأمم لا تزول إلا حين تنحرف عن سنن العدل والإيمان. 

فالأمر بالسير ليس المقصود به التنزه أو الرحلات، بل المقصود به الاعتبار التاريخي والتفكر الحضاري، والآية دعوة إلى قراءة آثار الماضي قراءة عقلية تدرك السنن الإلهية في قيام الأمم وسقوطها. 

لذلك يرى ابن عاشور أن السير في الأرض مدخل للوعي الحضاري، لأن النظر في آثار المكذبين يكشف أن الكفر والظلم يؤديان إلى الهلاك.

والآية تتضمن بعدًا استقرائيًا في التفكير، إذ تحث على الملاحظة  التاريخية بوصفها طريقًا إلى الإيمان، وهذا يجعل التاريخ جزءًا من الحجة على التوحيد والنبوة، فهو ليس مجرد سرد بل تعليم وتذكير وسنن، كما أن النظر في التاريخ ومعرفة ما حدث للأمم السابقة من أهم أسس تربية الأمم، وإعداد الأفراد ليصبحوا قادة ، وبناة للحضارة ودعاة ينشرون المعرفة ويشكلون الوعي ..

المقاصد أساس تفسير التاريخ   

يمكن قراءة التاريخ في ضوء مقاصد العمران الإنساني: مثل تحقيق العدل، وحماية  الحرية، وبناء الحضارة واعمار الأرض و الاستخلاف، وتزكية النفس والمجتمع.

ويرى ابن خلدون أن التاريخ ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لفهم السنن الإلهية في الاجتماع والعمران، أي أن له غرضًا  ومقصدًا يتجاوز مجرد نقل الوقائع.
حيث   يقول: فائدة التاريخ أنه يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا
وهذا النص يؤسس لفكرة أن التاريخ يُقرأ بوصفه وسيلة للاعتبار والإصلاح، أي أن له مقصدًا أخلاقيًّا وسياسيًّا ودينيًّا.

لذلك يمكن استخلاص ثلاثة مقاصد كبرى من مشروع ابن خلدون التاريخي هي:

. 1- الكشف عن السنن الاجتماعية والعمرانية

فابن خلدون يقرر أن أفعال البشر وتطور الدول تخضع لسنن وقوانين مطردة أرادها الله في الكون، فيقول: “واعلم أن الاجتماع الإنساني ضروري، وإذا كان كذلك فلابد من وازعٍ يدفع بعضهم عن بعض، فكان ذلك الوازع من طبيعة الاجتماع، وهو الملك، وهنا المقصد هو فهم السنن التي تحكم الاجتماع لا مجرد سرد الوقائع، أي أنه يقرأ التاريخ بوصفه تجلّيًا لإرادة الله في الاجتماع البشري".

.  2- التاريخ مرآة للعبرة

فابن خلدون يكرر أن غاية التاريخ العبرة لا الخبر، وأن دوره توجيهي حضاري، حيث يقول: إن الأخبار إذا اعتبرت في العبرة كانت علمًا، وإلا فهي غثاء لا فائدة فيه، فالعبرة هنا هي “المقصد”؛ لأن العبرة تولّد الوعي والاتزان في الحكم والسياسة، وهذا ما يجعل التاريخ  منهجًا تربويًا للأمة..

. 3- التحذير من الفساد والترف والظلم

يرى ابن خلدون أن انهيار الدول ليس صدفة بل نتيجة انحراف عن القيم والمقاصد العمرانية التي تحفظ الاجتماع الإنساني ؛ حيث يقول: “إذا فسد الملك ذهبت العصبية، وإذا ذهبت العصبية فسد العمران، وإذا فسد العمران انقطعت أسباب المعاش، فهلك الناس”، أي أن الظلم والترف والاستبداد أسباب سننية للهلاك، وهذا في جوهره قراءة مقاصدية حضارية.

البعد المقاصدي في منهج نقد الخبر التاريخي

يعتبر ابن خلدون هو أول من جعل "مقاصد العمران" معيارًا لنقد الأخبار والروايات، فهو لا يقبل الرواية إلا إن كانت منسجمة مع سنن الاجتماع الإنساني، فيقول: “واعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين... وشرطه أن يُعرض الخبر على أصول العمران”. 
وهذا جوهر البعد المقاصدي؛ لأن المقاصد هنا ميزان لفهم النصوص التاريخية، كما تُستخدم المقاصد في أصول الفقه لوزن النصوص الشرعية. 

علاقة مقاصد التاريخ بالمقاصد الشرعية عند ابن خلدون

يرى ابن خلدون أن مقاصد الشرع والعمران متكاملة، فكلاهما يهدف إلى تحقيق مصلحة الإنسان وحفظ نظام العالم.
ومن عباراته الدالة على هذا التكامل: "إن الشريعة أصل والعمران فرع عنها، لأنها وضعت لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وبذلك يكون ابن خلدون قد ربط بين مقاصد الشرع ومقاصد العمران، وهو ما يمكن تسميته  بـ"المقاصد الحضارية للتاريخ".
فابن خلدون لم يستخدم مصطلح “المقاصد” نصا، لكنه أرسى بنيتها الفلسفية والمنهجية في فهم التاريخ ؛ حيث جعل للتاريخ غاية، وربطها بالسنن، وجعلها معيارًا للنقد، وربطها بمصالح الإنسان في الدين والدنيا، وبذلك أسهم في بناء المقاربة المقاصدية للتاريخ في الفكر الإسلامي الحضاري.

البعد الأخلاقي والمعنوي في الفعل التاريخي  

كل حدث تاريخي يُقاس بمدى قربه أو بعده عن مقاصد الخير والعدل والرحمة، لا بمدى نجاحه السياسي أو العسكري فقط، حيث يؤكد مالك بن نبي أن الإنسان هو محور الفعل التاريخي، وأن التاريخ لا يصنعه الحديد والنار بل الفكرة الأخلاقية والمعرفية التي تحرك الإنسان.
فيقول : الإنسان، والتراب، والوقت، هي العناصر الثلاثة في كل حضارة، غير أن الفكرة هي التي تصوغ هذه العناصر وتمنحها روحها الأخلاقية. 

فهنا تتضح رؤية مقاصدية للتاريخ: فالحضارة عنده لا تنشأ من المادة بل من القيمة الأخلاقية والمعرفية التي تفعل التاريخ.
كما يقول: "حين تفقد الأمة المثل الأخلاقية، تفقد روحها التاريخية." فالتاريخ الأخلاقي عند ابن نبي هو التاريخ الذي تتحرك فيه الأمة وفق "مقاصدها العليا"، لا وفق شهواتها أو مصالحها السياسية الضيقة.

البعد المعرفي: من وعي السنن إلى صناعة التاريخ

يقول مالك بن نبي: إنّ أعظم مشكلة تواجه المسلم ليست مشكلة سياسية أو اقتصادية، وإنما مشكلة فكرية، مشكلة في تصوره للإنسان وللتاريخ؛ فالوعي بالسنن التاريخية والمعرفية هو ما يميز الأمة القادرة على النهوض؛ إذ لا فعل حضاري بلا وعي معرفي بالقوانين التي تحكم حركة التاريخ، وهذا هو جوهر القراءة المقاصدية.

التكامل بين الأخلاق والمعرفة

ويؤكد بن نبي أن الأخلاق لا تعمل في الفراغ، بل تتجسد من خلال منظومة معرفية منسجمة مع مقاصد الوحي ؛ حيث يقول: "الأخلاق التي لا ترتكز على فكرة واضحة عن الإنسان والكون لا تُنتج تاريخًا، بل تُنتج خُلقًا ساكنًا؛ فالفعل التاريخي الفاعل يقوم على تزاوج الأخلاق بالمعرفة، أي على "العقل الأخلاقي" الذي يوجه حركة التاريخ". 

ويرى محمد إقبال أن التاريخ ليس مجرد تعاقب أحداث، بل هو امتحان للقيمة الروحية والمعرفية في الإنسان، حيث يقول: “إن التاريخ ليس مسرحًا للصدف، بل هو ميدان لتحقيق القيم الروحية في واقع الزمان والمكان؛ وبذلك يصبح الفعل التاريخي امتدادًا للتكليف الإلهي: اختبارًا لإرادة الإنسان في تحقيق مقاصد العدل والحرية والعلم.”

أما عبدالوهاب المسيري فقد انتقد الرؤية الغربية للتاريخ باعتباره "حركة مادية بلا غاية"، وقال إن الفعل التاريخي في التصور الإسلامي محكوم بغاية أخلاقية كونية ؛ حيث يقول: "التاريخ ليس تراكمًا للأحداث بل مسار أخلاقي للإنسان في مواجهة المادية؛ وبذلك يكون الفعل التاريخي مجالًا للصراع بين القيمة والمادة، بين الإنسان والآل، وهذا بعد مقاصدي واضح في تفسير التاريخ الحديث.

الوعي الحضاري وبناء المستقبل  

الغاية من دراسة التاريخ ليست التمجيد أو الإدانة، بل استنباط السنن الحضارية التي تمكّن الأمة من استئناف نهضتها، لذلك كيف يمكن أن تكون القراءة المقاصدية للتاريخ وسيلة لتشكيل الوعي الحضاري وبناء المستقبل ؟! إن هذا يعتمد علي قدرتنا علي تحقيق ما يلي: 

. 1- تحويل التاريخ من ماضٍ إلى منهج تفكير

فالقراءة المقاصدية لا تتعامل مع التاريخ كمخزون سردي للأحداث، بل كمصدر للسنن والقوانين التي تحكم حركة الأمم؛ فهي تستخرج من الماضي مقاصده الحاكمة: العدالة، الحرية، التوازن، العمران، الرسالة الأخلاقية، ثم توظفها لفهم الواقع واستشراف المستقبل. 

أي أن هذه القراءة  تفصل بين الخبر والعبرة، وتربط بين العبرة والفعل، وتحوّل الفعل إلى مشروع حضاري، وهذا ما يجعلها وسيلة لتشكيل وعي جديد.

فالمقاصد في أصلها هي “غايات الشرع والوجود الإنساني”، أي أنها تعمل في الاتجاهين: تحاكم الماضي لتكشف الانحراف عن الغايات، وتوجّه المستقبل نحو استعادة التوازن بين الغايات والوسائل وترشد الأهداف ، وتزيد وعي الأمة بهويتها وقدرتها علي الفعل وتحقيق النصر .

فحين نقرأ التاريخ مقاصديًا، فنحن نستخلص البوصلة الحضارية من  الغايات التي ضاعت؟ وما السنن التي عطلت؟
وهذه البوصلة هي التي تبني “الوعي الحضاري”، لأن الأمة تدرك موقعها في مسار التاريخ وتعيد توجيه ذاتها نحوه.

. 2- من الوعي التاريخي إلى الوعي الحضاري

الوعي الحضاري هو القدرة على إدراك موقع الأمة في حركة الزمان وفق سنن الله في التمكين والتداول.
والقراءة المقاصدية هي الأداة التي تكشف تلك السنن، أي أن المقاصد تحول التاريخ من ذاكرة إلى منهج. 

. 3- بناء المستقبل عبر اكتشاف سنن النهوض

القراءة المقاصدية للتاريخ تكشف قوانين النهوض والانهيار، فتساعد على تحويل الوعي التاريخي إلى تخطيط استراتيجي
حين نعرف أن الظلم سبب الهلاك، وأن العدل سبب العمران، فإننا نمتلك قاعدة لبناء نظام سياسي وأخلاقي جديد، وبذلك تصبح المقاصد التاريخية ركيزة للقيادة الاستراتيجية المستقبلية.

لذلك يقول مالك بن نبي لا يمكن أن نصنع التاريخ ما لم نقرأ تاريخنا قراءة حية تستكشف قوانين الحركة لا أسماء المعارك، فالأمة التي لا تفهم مقاصد ماضيها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل، لأن الوعي التاريخي هو "شرط النهضة". 

كما يقول محمد إقبال: إن الغاية من التاريخ ليست في حفظ الماضي بل في توجيه المستقبل، لأن وعي الماضي هو الخطوة الأولى في الإبداع المستقبلي.
فهو يرى أن الوحي كشف عن السنن التاريخية كي يبني الإنسان مستقبله في ضوء مقاصد شريعة الله تبارك وتعالى. 

كما يقول عبدالوهاب المسيري: إن فقدان الوعي التاريخي هو أول مراحل الهزيمة الحضارية، لأن التاريخ ليس ما مضى، بل ما لا يجوز أن يُنسى. 

ويرى المسيري أن استعادة التاريخ بمنظور قيمي نقدي هي بناء للوعي المقاوم، أي وعي يدرك ذاته في مواجهة المركزية الغربية، وهذا بالضبط دور القراءة المقاصدية: أن تُحيي الذاكرة الحضارية للأمة كشرط للمقاومة والاستقلال الحضاري والثقافي  وبناء المستقبل. 

وهناك مقولة لعلال الفاسي يمكن أن تسهم في تطوير هذه الرؤية: “إن المقاصد ليست لحفظ الدين فحسب، بل لبناء الأمة على أساس من الوعي والفعل الراشد”. 

لذلك فإن القراءة المقاصدية للتاريخ هي جسر الوعي الحضاري بين الماضي والمستقبل؛ فهي تفكك الحوادث لتكشف المقاصد، وتحوّل المقاصد إلى وعي، وتحول الوعي إلى فعل حضاري يوجّه البناء والنهضة.

إنّ القراءة المقاصدية للتاريخ ليست مجرد إعادة نظر في الماضي، بل هي عملية فكرية قيمية تهدف إلى تحويل التاريخ من سجلّ للأحداث إلى منهج لبناء الوعي واستشراف المصير الحضاريفحين نقرأ التاريخ من منظور المقاصد، لا نبحث فقط عمّا وقع، بل عن لماذا وقع؟ وما الغاية الإلهية والسننية والأخلاقية وراءه؟ هذه القراءة تجعل من التاريخ أداة للتزكية والعمران.

ويعبر ابن خلدون عن هذا المعنى  حين يقول في المقدمة:

فائدة التاريخ الاعتبار، ومعرفة كيفيات الوقائع وأسبابها عميقة، فهو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، فهو بذلك يجعل العبرة والمغزى والسنن جوهرَ النظر في التاريخ، وهو ما يشكل أساسا لمفهوم القراءة المقاصدية.

ويرى الطاهر بن عاشور أن  الاعتبار بسنن الله في الأمم من أعظم وسائل إصلاح الفكر واستقامة العمل. 

بذلك تشكل القراءة المقاصدية  فقها للتاريخ الإنساني ولحركة الحضارة؛ فالتاريخ لا يصنعه من يجهل سننه، وإنما من يعيشها في فكره وضميره وسلوكه.

والتاريخ بهذا المنظور يصبح مدرسة لتكوين الوعي المقاصدي، الذي يربط بين العدل والنتائج، بين الانحراف الأخلاقي والانهيار الحضاري، وبين الإيمان والعمل والتمكين.

فحين نقرأ التاريخ بالمقاصد، فإننا نتحرك في ثلاث دوائر متداخلة هي: 

دائرة الوعي الأخلاقي

 وذلك باستحضار العلاقة بين القيم والسقوط أو النهوض، فالظلم والبغي والإفساد كانت دائمًا مقدمات للهلاك الحضاري.

دائرة الوعي بسنن الله في الكون 

بفهم السنن الإلهية في التداول والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…﴾[الرعد: 11]. 

دائرة الوعي الاستشرافي

بتحويل العبرة بالماضي إلى خطة عمل للمستقبل، أي بناء القيادة الاستراتيجية للحضارة على أساس الفهم المقاصدي لسنن الله في التاريخ.

أدوات القراءة المقاصدية

تحليل المقصد العام

ما الغاية الكلية التي تحققها الأحداث في مسار الأمة؟

اكتشاف السنن 

كيف تجلّت سنن النصر أو الهزيمة أو التمكين في الحوادث؟

التقويم القيمي

إلى أي مدى التزم الفاعلون التاريخيون بمقاصد الشرع في قراراتهم وسلوكهم؟

التمييز بين العبرة والمغزى

فلا تُروى الأحداث لمجرد الاتعاظ، بل لاستخراج مقاصد الهداية.

يمكن وضع خطوات عملية للقراءة المقاصدية للتاريخ كما يلي:-

تحديد الإطار الزمني والمجال الحضاري.

استحضار المقاصد الكلية المرتبطة بالحدث.

تحليل النصوص والمصادر التاريخية في ضوء هذه المقاصد.

استنباط السنن والمغزى الحضاري.

تحويل النتائج إلى رؤى استراتيجية للمستقبل.

كيف نقرأ التاريخ الفرعوني؟ ولماذا؟

تفتح هذه الدراسة مجالًا لتطبيق القراءة المقاصدية للتاريخ على مرحلة من التاريخ الإنساني طالما حصرت قراءتها في البعد الأسطوري أو الأثري أو القومي، دون أن تُفهم في ضوء السنن الإلهية والمقاصد الحضارية، وهذه الدراسة تتزايد أهميتها مع ارتفاع أصوات تستهدف ربط مصر بهذا التاريخ وتحويله إلى هوية بديلة للهوية الإسلامية ، وتشجيع الغرب لهذا الاتجاه منذ اللورد كرومر حتي الآن لاستخدام هذا التاريخ في تغييب وعي المصريين وربطهم بالحضارة المادية الغربية ، والمبالغة في تمجيد الحضارة الفرعونية، والادعاء بأن الفراعنة يشكلون الأصل العرقي للمصريين، والاحتفالات المبالغ فيها بافتتاح المتحف المصري، وارتداء البعض للأزياء الفرعونية. 

لذلك فإن الهدف من القراءة المقاصدية للتاريخ الفرعوني ليس تمجيد الحضارة الفرعونية، بل فهم  كيف تجلّت سنن الله -تعالى- في الاجتماع الإنساني، وكيف قاد الاختلال في المقاصد (العدالة، الحرية، التوحيد، الكرامة) إلى صعود مادي تمثل في القوة الصلبة ثم انهيار شامل.

المقاصد الموجهة للقراءة

1- التوحيد مقابل الاستعلاء

في القرآن الكريم، لم يرد ذكر أي حضارة سابقة بتفصيل كالذي ورد عن فرعون؛ وذلك لأن قصة فرعون تمثل نموذجًا سننيًا متكررًا: كيف يتحول الملك من أداة عمران إلى طغيان، حين يفرض الطغيان على الناس عبادة شخص مثل الفرعون يدعي الألوهية ويعلو ويستكبر ويفرض العنصرية ويقوم بتفكيك المجتمع. 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[القصص: 4].
فالاستكبار والغرور هو سبب الانهيار في الحضارة الفرعونية.

2-  العدل مقابل الاستعباد

بُنيت الدولة الفرعونية على هرم اجتماعي صارم يتكون من طبقتين: فرعون والكهنة والنبلاء، ثم العبيد وهم عامة الشعب، لذلك كان انهيار هذه الدولة في أوج قوتها يوضح سنن الله في الكون، وهي أن الطغيان سبب انهيار العمران.   

3- الكرامة الإنسانية

لقد أهان الفرعون كرامة الناس ودمرها عندما قهرهم علي العمل القسري في المعابد والأهرام، والتقديس الإجباري للحاكم، وكلها ممارسات مناقضة لمقصد الكرامة الذي جعله الإسلام أصلاً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[الإسراء: 70]

فانهيار الحضارة الفرعونية يمكن قراءته كنتيجة لتدمير هذا المقصد، وكان إبداع المصريين في العلوم والبناء نتيجة لقهر الفرعون لهم ولم يكن بهدف اعمار الأرض، ولذلك بنوا الأهرامات والمعابد والتماثيل التي انبهر بها الغرب في العصر الحديث لأنها تتكامل مع حضارته المادية، لكنها لم يكن هدفها إعمار الأرض وحفظ كرامة الإنسان. 

السنن الحضارية في التاريخ الفرعوني

سنة التداول الحضاري

نتيجة ذلك الطغيان كان انهيار الحضارة الفرعونية حتميًّا، وجاء الرومان ليستعبدوا المصريين، حتى جاء الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- ليحررهم ويحولهم إلى سادة وملاك للأرض يزرعون لأنفسهم ويتمتعون بخيرات أرضهم بعد أن كان ينهبها الجنود الرومان ولا يتركون لهم سوى ما لا يصلح طعامًا للإنسان. 

سنة الاستبداد المؤدي للانهيار

إن تركز السلطة بيد شخص واحد مستبد مستكبر يؤدي إلى انهيار الدولة مهما بلغت قوتها الصلبة، فالله أغرق فرعون وهو يتباهى بقوة جيشه، وقصة فرعون تؤكد للبشرية كلها أن الاستبداد بؤدي إلى السقوط والانهيار .  

سنة حاجة المجتمعات إلى الهداية ونور الوحي 

حين يذكر القرآن دعوة موسى –عليه السلام- لفرعون، فإنه يوضح لنا فضل الله ونعمه على الانسانية بارسال الرسل يحملون الهدى ونور التوحيد، وأن الطواغيت يقيدون حرية الناس في التعرض للهدى واختيار سنة الله تبارك وتعالى.   

النتائج التي يمكن الوصول إليها

1- أن الطغيان السياسي هو السبب الرئيس لانهيار الدولة الفرعونية.

2- إن الابداع الانساني الذي يكون هدفه تمجيد الطاغية المستبد يكون بسبب القهر، وليس بسبب الوظيفة الإنسانية في إعمار الأرض، ولذلك انصرف هذا الإبداع لصنع تماثيل للفرعون، وأزياء فاخرة، بينما كان الناس يموتون جوعًا وقهرًا.

3- قام الفرعون بدفن الكنوز في مقبرته، وحرم الناس من استخدامها لترقية حياتهم، وهذا يشير إلى ارتباط الطغيان بالإفقار والتجويع.

4- إن تقليد الفراعنة في كل عصر سيكون سببًا في الهلاك والدمار والانهيار، لذلك يجب أن يكافح الشعب ليحرر نفسه من الفرعنة السياسية. 

الكفاح ضد الفرعونية السياسية:

لذلك فإن القراءة المقاصدية للتاريخ الفرعوني يمكن أن تسهم في زيادة قدرتنا على الاعتزاز بالإسلام الذي حرر المصريين من العبودية، وبناء المستقبل على أساس الكفاح ضد الطغيان ورفض الفرعنة والاستكبار، وزيادة وعي الجمهور بأساليب الاستعمار في تغييب الوعي.

كما أن هذه القراءة توضح لنا أن الهوية الإسلامية هي التي تستحق الفخر بها، فهي هوية الأحرار المؤمنين بالله وحده، والذين يرفضون الطغيان والاستكبار واستخدام القوة في قهر الشعوب واستعبادها.

خاتمة

إن القراءة المقاصدية للتاريخ تسهم في زيادة قدرتنا على بناء المستقبل، والانطلاق للكفاح ضد الاستعمار والاستبداد والفساد.

كما توضح لنا أن الحضارة الإسلامية وحدها هي التي تحفظ كرامة الإنسان، وترشد قدرته على الإبداع والابتكار وبناء القوة، فهو يبني ويبتكر ليعمر الأرض كخليفة ولكي يبني الحضارة يجب أن يكون حرًّا والحرية ترتبط بالايمان بالله وحده، فلا يجوز لأحد أن يستكبر في الأرض ويدعي الألوهية.

وبناء الحضارة يرتبط بعبادة الله وحده، وهذه العبادة هي شرف المؤمن، وهي التي تجعل قلبه يتعلق بالله وحده، ويسير في الأرض لينظر عاقية المكذبين الطغاة. 

ولذلك قص علينا القرآن الكريم قصة الصدام بين موسى -عليه السلام- وفرعون وكيف أغرق الله فرعون وهو في أوج قوته، ولذلك لا تستحق الحضارة الفرعونية الفخر بها، ولكننا يجب أن ننظر ونتأمل في مصير الطغاة المستكبرين لنعتبر ولنطور كفاحنا ضد الطغيان، ونحمد الله -عز وجل- على نعمة الإسلام الذي حرر البشرية من العبودية، ونعتز بالإسلام دينا وعقيدة وحضارة وثقافة ودولة وعبادة لله الواحد الأحد .

لذلك يجب أن نطور القراءة المقاصدية للتاريخ ونستخدمها في تربية الأجيال الجديدة لتمتلك الوعي بقدرة الأمة على بناء المستقبل، كما أن هذه القراءة يمكن أن تسهم في إعداد قيادات جديدة تمتلك القدرة على استخدام الوعي التاريخي في بناء المستقبل. 

.

د. سليمان صالح

أستاذ الصحافة والاعلام الدولي بكلية الاعلام جامعة القاهرة، رئيس قسم الصحافة السابق بكلية الاعلام جامعة القاهرة، مفكر إسلامي

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم