المربي

المربي

الأمة التي تخلو من الربانيين تبدأ شمسها في الزوال

الأمة التي تخلو من الربانيين تبدأ شمسها في الزوال

قال الله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾[آل عمران: 79]. فجعل غاية العلم أن يصنع "ربانيين"؛ والأمة التي تخلو من الربانيين أمةٌ تبدأ شمسها في الزوال، لأنها فقدت من يحمل العلم ويورّثه حيًّا للأجيال. فمن هو الرباني؟ وما الذي يميّزه عن مجرّد مُعلّمٍ يُلقي معلومة؟

 

مَنْ الرباني؟

الرباني هو العالِم العامل، المنسوب إلى ربّه لكمال تمسّكه بدينه؛ لكن أخصّ ما يميّزه أنه لا يكتفي بأن يعلَم، بل يربّي بما يعلَم. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تعريفه الجامع: "هو الذي يربّي الناس بالعلم كما يربّي الطفلَ أبوه". فتأمّل هذه الصورة: أبٌ يربّي طفله، لا يصبّ فيه المعرفة دفعةً واحدة، بل يتدرّج معه، ويرفق به، ويرعى نموّه خطوةً خطوة. هكذا المربي الرباني مع من يعلّمهم؛ ليس ناقلَ معلومةٍ فحسب، بل مُربٍّ يبني إنسانًا.

وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: "الناس ثلاثة: فعالِمٌ ربّاني، ومتعلّمٌ على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلّ ناعق". فالعالِم الرباني في القمّة؛ لا فضل فوق فضله، ولا منزلة فوق منزلته؛ لأنه هو الذي يصنع بقيّة الصالحين.

 

القاعدة الذهبية: صغار العلم قبل كباره

أوجز الإمام البخاري رحمه الله سرّ الربانيّ في كلمة: "الرباني الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره". وهذه قاعدة تربوية عميقة، تعني أن المربي الحاذق يتدرّج بمن يعلّمهم:

يربّي على الجزئيات قبل الكليات، فلا يُثقل المبتدئ بالمسائل الكبرى قبل أن يتقن صغارها. ويربّي على وضوح المسائل قبل ما دقّ منها، فلا يقذف بالغامض قبل أن يرسخ الواضح. ويربّي على الأصول قبل الفروع، فيبني على أساسٍ متين قبل أن يتفرّع. ويربّي على المقدّمات قبل المقاصد، فيمهّد الطريق قبل الغاية.

وهذا هو الفرق بين من يريد أن يستعرض علمه، ومن يريد أن يبني متعلّمه؛ فالأول يبدأ بما يبهر، والثاني يبدأ بما ينفع ويُبنى عليه. وكم من مُعلّمٍ نفّر طلابه لأنه بدأ بالصعب المُعقّد قبل أن يمكّنهم من السهل الواضح.

 

شروط الرباني

حتى يبلغ المربي هذه المرتبة، لا بدّ من شروط ثلاثة:

أن يكون عالمًا فقيهًا؛ والفقه فهم مراد المتكلّم من كلامه، لا مجرّد حفظ ألفاظه؛ قال تعالى:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾[البقرة: 282].

أن يكون شديد التمسّك بدين الله وطاعته؛ فالعلم بلا عملٍ حجّةٌ على صاحبه لا له، والمربي الذي يخالف قولُه فعلَه يهدم بيده ما يبنيه بلسانه.

أن يكون معلّمًا مربّيًا لغيره؛ فالعلم الذي يُحبَس في الصدر لا يصنع ربانيًّا؛ وإنما الرباني من يُحسن مثوى طلابه ويتعهّدهم كما يتعهّد الأب ولده.

 

علامات المربي المتحقّق

ولهذا المربي علاماتٌ تُعرف بها ربانيّته: مطابقةُ قوله لعمله، وأن يكون قد تربّى هو على أيدي الربانيين فيَحمل بصمتهم، والتدرّجُ مع طلابه، وتقديمُ صُلب العلم على مُلَحه، والبدءُ بالمتّفق عليه قبل المختلف فيه، وترك التكلّف، والمزجُ بالرقائق والقصص التي تُحيي القلوب مع العلم. فهو يجمع بين بناء العقل وإحياء الوجدان، فلا يُخرّج عقولًا بلا قلوب، ولا قلوبًا بلا علم.

 

خاتمة

ليست غاية التعليم أن نُخرّج مستودعاتٍ للمعلومات، بل ربانيين يربّون الناس بالعلم كما يربّي الأبُ ولده. فمن رزقه الله شيئًا من العلم، فليطلب أن يكون به ربانيًّا: يتدرّج، ويرفق، ويعمل بما يعلم، ويربّي به إنسانًا؛ فبالربانيين تُشرق شمس الأمة، وبفقدهم تبدأ في الزوال.

 

 

اقرأ أيضًا: القلوب الحية: كيف يوقظ المربي قلبًا خامدًا بالقرآن؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم