مقالات تربوية

البيت المسلم

الزوجان والمال: شراكة أم صراع خفي؟

الزوجان والمال: شراكة أم صراع خفي؟

حين يدخل المال بيتًا... ماذا يحدث؟

ثمة سؤال لا يُطرح في مجالس الفقه ولا في كتب الاقتصاد لكنه يُحرق قلوب الناس في غرف النوم وعلى موائد الطعام، هل المال في حياة الزوجين رحمة أم فتنة؟ هل هو جسر يقرّبهما أم جدار يفصل بينهما؟

لو جلست اليوم مع ألف زوج وزوجة وسألتهم عن أكثر ما يختلفون فيه، لسمعت إجابة واحدة تتكرر المال. ليس غياب الحب، وليس فارق الشخصية، وليس اختلاف الأهل، هذا الرقم الذي يدخل البيت شهرياً ويخرج من الأبواب والنوافذ، ويترك وراءه أحياناً جرحاً لا يُرى ودخاناً لا يتبدد.

لكن السؤال الحقيقي هو هل آمنّا بأن المال في الحياة الزوجية شراكة بالمعنى الحقيقي؟ أم أنه ميزان توتر خفي كل طرف يحاول أن يمسك بذراعيه ولا يرى كيف ينزلق الآخر؟

بيتان في بيت واحد

كثير من الأزواج يعيشون في بيت واحد لكنهم يمتلكون في عقولهم نظامين ماليين مختلفين. هو يحمل في داخله خريطة مالية رسمها أبوه، وهي تحمل خريطة أخرى رسمتها أمها. هو يرى الادخار واجباً دينياً وعقلياً، وهي ترى أن المال يُنفق ليُحقق حياة كريمة. هو يرى كل إنفاق كمالياً خسارة، وهي ترى أن بعض الكماليات ضرورة نفسية.

لم يتفق أحدهما مع الآخر على هذه الخرائط يوم العقد. لا أحد قال سنتفق على فلسفة مالية مشتركة قبل أن نتفق على لون الغرفة. والنتيجة صراع صامت يبدأ باختلافات صغيرة في الإنفاق اليومي، ثم يكبر حتى يصبح فجوة في الثقة وأحياناً في الحب.

لكن الإسلام لم يترك هذه الفوضى بغير توجيه. فمن حكمة الشريعة أنها وضعت إطاراً واضحاً لمسؤوليات كل طرف. النفقة على الرجل واجبة حتى لو كانت زوجته ملياردير. وللمرأة حق في مالها الخاص لا يمسه الزوج. لكن هذا الإطار هيكل يحمل شراكة أعمق، شراكة الحياة.

ثلاثة أنماط تدمر المال والبيت

الزوج المتحكم وهو من يرى أن المال ماله وكأنه تاج سلطة. يستخدم المال أداةً للسيطرة لا للرعاية. يعطي بحساب حين يريد المكافأة، ويمنع بقسوة حين يريد العقوبة. 

الزوجة المُنفقة بلا حساب، وحين تغيب الضوابط تُصبح كل مناسبة فرصة لإنفاق لم يُتفق عليه وهو ما  يجعل كل إنفاق منفرداً جرحاً صغيراً يتراكم.

الصمت الخادع وهو أخطر الأنماط. حيث يتفق الزوجان ظاهرياً على كل شيء، لكن في الباطن كل منهما يختزن مظالم مالية لم تُقَل. هو لا يحب إنفاقها على أهلها ولا يقول. وهي تتألم من بخله على بيتها ولا تقول. وتمضي السنون والصمت يتراكم كالثلج حتى يضغط على الجدران.

درس من صحابية في إدارة المال الزوجي

جاءت هند بنت عتبة -رضي الله عنها- إلى النبي -ﷺ- وقالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم". فقال ﷺ: "خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف".

توقف عند هذا الحديث طويلًا، النبي -ﷺ- لم يقل لها اصبري ولا تأخذي شيئاً. ولم يقل لها خذي ما تشائين دون حساب. قال بالمعروف. وهذه الكلمة الواحدة هي كل فلسفة الشراكة المالية الزوجية في الإسلام.

المعروف يعني ما تعارف عليه العقل السليم والضمير المستقيم. لا إفراط ولا تفريط. لا جشع ولا حرمان. وهي كلمة مرنة تتسع لكل عصر وكل بيت. فالمعروف في بيت ميسور ليس كالمعروف في بيت محدود الدخل. والمعروف في زمن الرفاه ليس كالمعروف في زمن الأزمة.

ما يُعجبني في هذا الموقف أن النبي -ﷺ- لم يُنكر على هند مطالبتها. أثبت لها حقها وأمّنها على الأخذ. لأن الحق المالي للزوجة ليس منّة من زوجها بل واجب قرره الشارع. لكنه في الوقت ذاته قيّده بالمعروف حتى لا يتحول البيت إلى ميدان مطالبات.

الشراكة المالية ما هي بالضبط؟

الشراكة المالية الزوجية لا تعني أن يكون المال مشاعًا بلا حدود. ففي الفقه الإسلامي كل منهما يملك ما يملك بصورة مستقلة. لكن الشراكة تعني شيئًا أعمق، أن يكون لكلا الطرفين رؤية مشتركة للمال ودوره في حياتهما.

الشراكة تعني أن تعرف الزوجة حال البيت المالي لتُسهم في قراراته. فالمرأة التي لا تعرف ميزانية بيتها لا تستطيع أن تشارك في حمايته. كثيرات يكتشفن الأزمة المالية يوم الطلاق أو يوم وفاة الزوج، ذاهلات أمام أرقام لم يسمعنها من قبل.

الشراكة تعني أن يُشرك الرجل زوجته في التخطيط للمستقبل. متى نبدأ الادخار؟ وكم نستهدف؟ وأين نستثمر؟ حين يتخذ هذه القرارات وحده فإنه يحمل عبئًا لا داعي له، ويحرمها من مسؤولية تُكرّمها لا تُثقلها.

والشراكة أيضًا تعني الصدق المالي. لا سرًّا ماليًّا يُخفيه الزوج عن زوجته، ولا حسابًا مخفيًّا تُخفيه هي عنه. الثقة المالية ركن من أركان الثقة الزوجية. وحين تُكسر فإن أثرها يمتد لكل زاوية في العلاقة.

خمسة أخطاء تجعل المال عدوًّا للزواج

أول هذه الأخطاء مقارنة البيوت: حين تقول الزوجة بيت فلانة مُجدَّد وبيتنا قديم. أو حين يقول الزوج راتبي أعلى من راتب جاري وأنا أعيش أسوأ منه. المقارنة تنخر في رضا الزوجين وتجعل ما يملكانه لا يكفي أبدًا. وقد نهى النبي -ﷺ- عن النظر إلى من هو فوق في أمور الدنيا تحديدًا لهذا السبب.

الخطأ الثاني ربط الحب بالإنفاق: حين تقول الزوجة لو كان يحبني لأنفق. أو حين يقول الزوج لو كانت راضية ما طالبت بالجديد. تحوّل المال إلى مقياس للمشاعر، وهذا خلط خطير يفسد الاثنين معاً المال والحب.

الخطأ الثالث الديون السرية: حين يستدين أحد الطرفين دون علم الآخر، ثم تنكشف الديون في وقتها. لا شيء يزعزع الثقة الزوجية كالمفاجأة المالية غير المتوقعة. وكثير من الأزمات الزوجية الحادة كان فيها دين مخفي كالفتيل الذي أشعل كل شيء.

الخطأ الرابع التحاسب المتبادل: حين يحسب كل من الطرفين ما أنفقه ويقارنه بما أنفق الآخر. هو يقول أنا أدفع الإيجار والكهرباء والمدارس. وهي تقول أنا أدفع من مالي الخاص على ملابس الأطفال وملابسي. وتتحول الحياة الزوجية إلى شركة محاسبة لا إلى شركة رحمة.

الخطأ الخامس تأجيل الحوار المالي: لن نختلف الآن على هذا. سنتحدث عن ذلك في وقت آخر. والوقت الآخر لا يأتي. وتتراكم الملفات المالية الموصدة حتى تغدو أبوابًا لا تُفتح إلا بانفجار.

إشارات لا تُنسى

وصف الله سبحانه العلاقة الزوجية بثلاث كلمات كافية:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…[الروم: 21]. المودة الحب والمشاعر. والرحمة شيء أعمق منها، شيء يبقى حين تخفت المشاعر. هو ذلك الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر. وأن تُبقي مشاعر الرعاية حين يتعب الحب أو يضعف.

والمال في حياة الزوجين إما أن يكون مودة ورحمة، أو يكون عكسهما. حين يُنفق الرجل بقلب راضٍ ونفس سخية فهو يُترجم الرحمة إلى أرقام. وحين تدير المرأة البيت بحكمة وتُحافظ على ما أعطيت فهي تترجم المودة إلى إتقان.

والله سبحانه حين أوجب النفقة للرجل لم يجعلها فريضة صماء بلا روح. قال:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[النساء: 19]. فالمعاشرة بالمعروف تشمل المعاشرة المالية. ألا يُضيق ولا يُسرف. ألا يمنح ثم يمنّ. ألا يعطي ثم يُحاسب. المعروف في العطاء هو النفقة التي لا تُذل متلقيها.

ولعل من أبلغ ما يُقال في هذا السياق قوله تعالى:﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ…[النساء: 19] لم يشترط الله مستوى معينًا من الدخل. اشترط النسبة والإخلاص. الميسور بميسوره. والمعسور بمعسوره. وهذه الآية وحدها كافية لتحل أزمات مالية كثيرة لو فهمها الزوجان معًا.

خطوات عملية لبناء شراكة مالية ناجحة

الأولى الاجتماع المالي الشهري: مرة كل شهر اجلس أنت وزوجتك، في وقت هادئ مخصص. ضعا على الطاولة الدخل والنفقات والأهداف لمراجعة مشتركة، و حين تعتاد عليها هذه الجلسة تصبح طقساً تربوياً يُقرّبكما لا يُبعدكما.

الثانية تحديد الأولويات معًا: قبل أن تسأل أين ذهبت الأموال؟ اسأل ماذا نريد من هذه الأموال؟ هل نريد بيتًا؟ تعليم الأولاد؟ رحلة سنوية؟ عمرة؟ حين توجد أهداف مشتركة يتحول الإنفاق من فوضى إلى خطة، ويتحول الخلاف من صراع إلى نقاش بنّاء.

الثالثة المنطقة الحرة لكل منهما: من الحكمة العملية أن يكون لكل من الزوجين مبلغ حر يتصرف فيه كيفما شاء دون مساءلة. هو قدر ما يشترك به مع أصدقائه. وهي قدر ما تهدي به أهلها أو تُجمّل به نفسها. حين وُجدت هذه المنطقة قلّت المعارك لأن كل طرف لم يشعر أنه تحت المجهر.

الرابعة الصدق عند الضيق: حين تمر الأسرة بأزمة مالية لا تُخفيها. الأزمة التي تُشارَك تنكسر حدتها. والزوجة التي تعرف أن الميزانية ضيقة تفهم وتُسهم في الحل. والتي لا تعلم تتعجب وتتألم ولا تعرف كيف تُقدم العون.

الخامسة استحضار النية دائمًا: الرجل حين يخرج إلى عمله ليُنفق على أهله وهو يستحضر هذه النية، فكل ريال يكسبه عبادة. والمرأة حين تُحسن إدارة البيت وهي مستحضرة أن هذا الإتقان قربة إلى الله، فكل توفير لله. الأسرة التي تجعل المال طاعة تتحول حياتها المالية إلى عبادة مستمرة.

رسالة إلى مَنْ يُعاني اليوم

إن كنت تعيش خلافًا ماليًّا مع شريك حياتك، فاعلم أن هذا لا يعني أن زواجك فاشل. يعني فقط أن ثمة جانبًا لم تتحدثا عنه بالعمق الكافي. المال لم يكن عدوّاً للزواج يومًا، العدو هو الجهل بكيفية التحدث عنه.

وإن كنتِ تشعرين أن زوجك لا يراكِ شريكة حقيقية في القرارات المالية، فلا تيأسي، ابدئي بالحوار الهادئ. اطلبي جلسة مشتركة تتحدثان فيها عن الأهداف لا عن الأخطاء. كثير من الرجال لا يُشركون زوجاتهم لأن أحدًا لم يُعلمهم أن هذه الشراكة ممكنة وجميلة.

وإن كنتَ أنت الرجل الذي يحمل ثقل الميزانية وحده، فاعلم أن الله لم يأمرك بحمل الثقل وحدك. أمرك بالقوامة وهي الرعاية والمسؤولية، شارك زوجتك الحلم والهمّ. حين تحمل وحدك تتعب وحدك. وحين تشاركها تتعبان معًا وتتعافيان معًا.

وإن تعذّر الحوار أو اشتد الخلاف فلا تستحييا أن تطلبا العون من مستشار أسري أو ثقة حكيم، فبعض الجروح تحتاج إلى طبيب قبل أن تندمل.

وفي الختام فالبيت السعيد ماليًّا ليس البيت الذي لا يُعاني أزمات، البيت السعيد هو الذي يواجه أزمته بقلبين متحدين، وعقلين متعاونين، وإيمان راسخ بأن الرزق بيد الله وهما مجرد أمينين عليه.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم