مقالات تربوية

القناعة: فن العيش بكرامة في زمن الاستهلاك

القناعة: فن العيش بكرامة في زمن الاستهلاك

القناعة: فن العيش بكرامة في زمن الاستهلاك

بقلم: د. علي يلماز

 

في عالم يصرخ بالتناقضات، حيث تتصارع الأضواء في المراكز التجارية مع ظلام الفقر في الأزقة، تطل "القناعة" كمنهج رباني متكامل، لا كمجرد فضيلة أخلاقية عابرة. إنها فلسفة وجودية تقدم للإنسان العصري خريطة طريق للنجاة من دوامة الاستهلاك التي تهدد بإفقاره روحياً قبل أن تهدده ماديًّا.

يقدم القرآن الكريم في آياته برنامجًا عمليًّا لإعادة ضبط نظرتنا للوجود. يقول تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]. هنا لا ينهى القرآن الكريم عن النظر فحسب، بل يقدم تشخيصًا دقيقًا لمرض العصر مرض المقارنة الذي يجعل الإنسان أسيرًا لما في أيدي الآخرين، غافلًا عن كنوز النعم بين يديه.

إنها دعوة للتحرر من سجن "الآخر" الذي يحول حياتنا إلى سباق محموم نحو امتلاك ما لا نحتاج، وإنفاق ما لا نملك، لإرضاء أناس لا نعرف. إنها الثورة الهادئة على ثقافة الاستهلاك التي تجعل من الإنسان عبدًا للسلعة بدلًا من أن يكون سيدًا لها.

عندما يصبح القبول قوة

يصور الإمام الغزالي القناعة على أنها "سكون القلب إلى ما يخرج من اختيار الله تعالى". إنها ليست استسلامًا سلبيًّا، بل هي فهم عميق لسنن الكون. فالمؤمن الذي يستشعر أن كل شيء في هذه الحياة مقدر بحكمة، ينطلق في سعيه وكله ثقة بأن ما كتب له سيأتيه، وما لم يكن له لن يصل إليه.

هذا الفقه يولد طاقة روحية هائلة، تحول الرزق من مجرد أرقام في الحساب البنكي إلى مفهوم وجودي أعمق؛ فالسعادة تصبح في بركة الرزق لا في كميته، والغنى في قلة الحاجة إلى الناس لا في كثرة الممتلكات، إنها النظرة التي تجعل كوب الماء نعمة، والبيت الصغير قصرًا، والرغيف الواحد وليمة.

دروس من الوحي العملي

لنتأمل معًا ذلك المشهد النبوي الرائع؛ يدخل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- على رسول الله -ﷺ- فيجد أثره في جنبه من الحصير، فيبكي عمر تأثرًا. فيقول له النبي الكريم ﷺ: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

هذه ليست كلمات زهد عادي، بل هي فلسفة حياة متكاملة. إنها الرؤية التي تجعل الدنيا محطة عبور لا مستقر قرار، وسوقًا للعمل لا دارًا للاستراحة. لقد علمنا النبي -ﷺ- أن القناعة ليست انسحابًا من الحياة، بل هي مشاركة فيها من موقع القوة لا الضعف.

القناعة مشروع المقاومة

في عصر الرأسمالية المتوحشة، حيث تحول الإنسان إلى رقم في سجلات الاستهلاك، تظهر القناعة كأقوى مشاريع المقاومة. إنها الحصن المنيع الذي يحمي كرامة الإنسان من أن تتحول إلى سلعة،وشخصيته من أن تذوب في بوتقة العولمة.

إنها المقاومة الثقافية التي تبدأ من اختيارك لملابسك، وطعامك، وطريقة عيشك. إنها الرفض الهادئ لأن تكون نسخة مكررة من الآخرين. إنها الشجاعة في أن تكون نفسك، راضيًا بما قسم الله لك، شاكرًا لنعمه، عاملًا في دائرة مسؤوليتك.

رحلة التطبيق من النظرية إلى الممارسة

كيف نترجم هذه الفلسفة إلى واقع عملي؟

 تبدأ الرحلة من إعادة برمجة العقل على لغة الشكر. اجعل من كل صباح محطة لعد النعم، اكتبها في مفكرة، احفظها في قلبك. انظر إلى ما منحك الله -سبحانه وتعالى- من صحة، وعائلة، وأمن، واستقرار، وستجد أنك من أغنى الناس. ونجعل من القناعة عينًا نرى بها العالم، فنرى ما في أيدينا قبل ما في أيدي الآخرين، ونتذكر دائمًا أن رزق الله لا يحده مكان ولا زمان.

ثم انتقل إلى التمارين العملية، تدرب على المشي في الأسواق من غير أن تضع في سلة مشترياتك إلا ما تحتاج حقًّا. اكتشف متعة إعادة استخدام الأشياء بطريقة إبداعية. تعلم فن إصلاح الأشياء بدلًا من استبدالها. اجعل من منزلك ورشة للإبداع بدلًا من أن يكون مستودعًا للاستهلاك.

من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع

القناعة ليست فضيلة فردية فحسب، بل هي مشروع مجتمعي متكامل، نصنع من بيوتنا واحات للقناعة، ابدأ ببيتك، علم أبناءك أن الهدايا تُصنع بالقلب قبل أن تُشترى بالمال. اجعل من المناسبات فرصًا للإبداع بدلًا من الإنفاق. حوّل الأعياد إلى فرص للتقارب العائلي بدلًا من أن تكون مناسبات للاستهلاك.

مع الأصدقاء ابتكروا أنشطة ترفيهية لا تكلف كثيرًا، لكنها تثري كثيرًا. رحلات استكشافية، جلسات قراءة، ورش عمل منزلية، تبادل الخبرات والمهارات. اكتشفوا معًا أن أجمل اللحظات هي تلك التي لا تكلف إلا القليل من الوقت والكثير من الحب.

التزود الروحي الوقود الذي يحرك الرحلة

لا يمكن لهذه الرحلة أن تستمر بدون تزود روحي، فهو الوقود الذي يدفع مراكبنا في هذا البحر الهائج، املأ قلبك بذكر الله عز وجل، اجعل من صلاتك محطة للتزود بالطاقة الإيمانية. زد من علاقتك بالقرآن الكريم، وتأمل في آيات الرزق التي تطمئن القلب بأن الأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى.

زُرْ المقابر بين الحين والآخر، لتذكر نفسك بنهاية الرحلة. تطوع في الأعمال الخيرية، لترى بنفسك نعمة الله –تبارك وتعالى- عليك، وتشعر بمعنى العطاء الحقيقي.

معالم على طريق القناعة

ستعرف أنك على الطريق الصحيح عندما تشعر بالرضا وأنت ترى غيرك يمتلك ما لا تملك، تفضل الجودة على الكمية في مشترياتك، حينما تجد سعادتك في اللحظات لا في المقتنيات، عندما تستمتع بالبساطة وتجد فيها متعة حقيقية، حينما يصبح شعارك: "الأفضل ليس الأغلى دائمًا"

عندما تهب العواصف

ستواجه في رحلتك لحظات ضعف، تهب فيها عواصف الطمع، حينها تذكر فأخرج صدقة، فالصدقة تطفئ نار الطمع، زُرْ مريضًا، فرؤية المعاناة تذكرك بالنعمة، اقرأ آية عن الرزق، فتذكرك بأن الرزاق هو الله جلَّ وعلا، توضأ وصلِّ ركعتين، فالصلاة تطفئ نار القلب. 

وفي الختام؛ القناعة ليست محطة نصل إليها، بل هي رحلة نمارسها كل يوم، هي ذلك البحر الذي نتعلم الإبحار فيه، نكتشف كل يوم عمقًا جديدًا، ونجدة مختلفة.

ابدأ رحلتك اليوم بكلمة شكر، أو ابتسامة امتنان، أو تبرع صغير، أو نظرة جديدة للنعم من حولك. كما قال النبي ﷺ: "انظروا إلى مَنْ أسفل منكم ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله".

فالقناعة كنز لا يفنى، تصنع منه رفيقًا للدرب، وسلاحًا في معركة الحياة، ووسيلة للوصول إلى شاطئ الأمان، حيث الراحة الحقيقية، والطمأنينة الدائمة، والعيش بكرامة في زمن طغت فيه الماديات على القيم.

.

د. علي يلماز

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم