حين يصبح المال مقياسًا لكل شيء
كان يوسف يشبه الميزان الذي يعرف وزن كل شيء إلا وزن نفسه.
منذ أن أدرك وهو يرى العالم من خلف زجاج الأرقام. الناس عنده أصفار وآحاد. هذا صفر لأن جيبه فارغ. هذا واحد لأن رصيده يتكلم. وهذا مليون لأن سيارته تسبقه إلى الاحترام قبل أن يدخل الباب.
لم يكن شريرًا، لم يكن بخيلًا، كان فقط لا يرى، كمن وُلد أعمى اللون ولا يعلم، يظن أن العالم كله رمادي.
في بيته الكبير الذي يشبه المتحف لا المنزل كانت هناك لوحات اشتراها لأن ثمنها يُذكر لا لأن جمالها يُشعر. وساعة على معصمه تحكي تاريخ صانعها لمن يسأل لكنه لا يسأل أحداً عن تاريخ نفسه. وكتب في المكتبة لم يفتحها أحد اشتراها بالمتر لتملأ الجدار.
كان يجلس كل جمعة في مجلس رجال الأعمال لا يتحدثون عن الله ولا عن الناس ولا عن الزمن الذي يمر. يتحدثون عن الأسواق كأنها آلهة غاضبة، وعن الأرباح كأنها قرابين، وعن المنافسين كأنهم شياطين رجيم.
وكان يوسف أكثرهم خشوعًا في هذه الصلاة.
ثم جاء ذلك الشتاء.
لم يكن زلزالًا، لم يكن إفلاسًا، كان أبسط من ذلك وأشد.
جاءه موظف صغير في شركته، خجول كأنه يعتذر عن وجوده، وقال بصوت لا يكاد يُسمع
سيدي... أمي في المستشفى. أحتاج سلفة صغيرة.
نظر يوسف في وجهه. رجل في الخمسين. شعر أبيض يبدأ من الصدغين كالثلج يزحف. عيون فيها من التعب ما لا تقوله الكلمات.
وقبل أن يفكر، سمع نفسه يقول: اذهب إلى المحاسب، ثم أعاد عينيه إلى الشاشة.
لكن في تلك الليلة لأول مرة منذ سنوات لم تنَم شاشاته معه.
ظل وجه الرجل معلقاً في الظلام كسؤال لا جواب له.
في منتصف الليل فتح يوسف التطبيق البنكي. أربعة وعشرون مليونًا ثلاثمائة وسبعة آلاف وتسعة وثلاثون ريالًا.
نظر إلى الرقم طويلًا.
السؤال الذي غيّر كل شيء
ثم سأل نفسه للمرة الأولى في حياته سؤالًا لم يكن في قائمة صفقاته: لمن هذا؟
الرقم لم يجبه، الأرقام لا تُجيب، الأرقام تُطيع مَنْ يعبدها ولا تُطيع مَنْ يسألها.
في تلك اللحظة لم يكن المكتب صامتاً كما بدا. كان في داخله صوتان يتنازعان.
صوتٌ بارد، يعرفه جيدًا، يقول: هذا ليس نظامًا، لو فتحت هذا الباب، فلن يغلق، الشركة ليست جمعية خيرية.
وصوتٌ آخر، خافت كأنه قادم من مكان نسيه منذ زمن، يسأله: ومتى كانت الإنسانية تحتاج إلى نظام؟
مدّ يده نحو الهاتف، ثم سحبها، نظر إلى الشاشة، إلى الأرقام التي يعرفها أكثر مما يعرف نفسه.
قال الصوت الأول: هذا رجل واحد، والعالم مليء بالحالات.
فردّ الصوت الآخر بهدوء، وأنت مسؤول عن هذا الواحد الآن.
سكت. لأول مرة منذ سنوات، لم يكن القرار صفقة محسوبة بل سؤالًا مفتوحًا.
وبقي بين يده؛ لا هو الذي اعتاد أن يعطي، ولا هو الذي اعتاد أن يمنع.
كأن شيئًا داخله يتشكل للمرة الأولى.
في الصباح أعطى الرجلَ ما طلب. لكن شيئًا ما تغير في طريق العودة إلى مكتبه، كأن خطوته اختلفت، كأن الأرض تحته صارت أقل قسوة.
وبدأت الأسئلة تأتي كمطر بعد جفاف طويل.
لماذا يذكر اسمه الناس دائمًا مقرونًا بما يملك؟ لماذا حين يربح يشعر أنه أكثر، وحين يخسر يشعر أنه أقل، كأن قيمته تتقلب مع السوق؟ لماذا فرح بابنه حين قال له: أريد أن أكون مثلك وخاف في نفس الوقت؟
في ليلة هادئة قرأ آية مرت عليه ألف مرة ولم يتوقف عندها: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25].
لم يقل: خلقنا؛ قال: أنزلنا.
جلس يوسف مطولاً مع هذه الكلمة الواحدة، أنزلنا.
كأن المال لم يخرج من الأرض ابتداءً. بل نزل من السماء أمانةً قبل أن يخرج من الأرض ثروةً. ومن نزل من السماء لا يملكه أحد بل يُستودَع عند أحد.
وأدرك يوسف للمرة الأولى أنه لم يكن مالكًا طوال هذه السنوات.
كان حارسًا لا يعرف أنه حارس، لم يترك يوسف التجارة. لم يتصدق بكل شيء. لم يفعل شيئًا مسرحيًّا يحكيه الناس.
فعل شيئًا أصعب من ذلك كله.
إعادة تعريف النجاح
غيّر السؤال، لم يعد يسأل: كم أجمع؟ صار يسأل لماذا أجمع؟
لم يعد يسأل ماذا يملك فلان؟ صار يسأل ماذا يحمل فلان في قلبه؟
لم يعد يقيس نجاحه بما في اليد. صار يقيسه بما في الضمير حين يغلق الباب وحده.
وبعد أسابيع في نفس المجلس الذي كان يجلس فيه كل جمعة كان الحديث يدور كعادته حول الأرقام.
أرباح… خسائر… صفقات… سباق لا ينتهي.
سأله أحدهم: كم حققتم هذا الربع؟
توقف يوسف لحظة. السؤال الذي كان يحبه، لم يعد يثير فيه شيئًا.
ثم قال بهدوء: حققنا ما يكفينا، وحافظنا على مَنْ يعمل معنا.
نظروا إليه باستغراب، كأنهم لم يسمعوا الإجابة جيدًا.
ابتسم وأكمل: وخسرنا صفقة، لأن شروطها لم تكن نظيفة.
ساد صمت قصير ثقيل.
لم يجادلوه، لكن شيئًا في أعينهم تغيّر، وشيء في داخله استقر.
في طريق عودته لم يحسب ما خسره.
لأول مرة… كان يعرف تمامًا ما ربح.
وذات مساء كان ابنه الصغير يجلس بجانبه. نظر إليه الولد وقال:
بابا، هل المال مهم؟
فكّر يوسف. ثم قال بصوت مَنْ يرتب كلامًا تعلمه بالجرح لا بالكتب، المال مثل الماء يا بني. تحتاجه لتعيش. لكن مَنْ يعيش داخل الماء يغرق.
نظر الولد إليه بعيون تفهم أكثر مما تقول ثم قال: إذن أنت كنت تغرق؟
ابتسم يوسف ابتسامة فيها ما فيها: كنت أظن أنني أسبح.
يا صاحبي: المال نزل من السماء أمانةً، قبل أن يخرج من الأرض ثروةً.
مَنْ يفهم هذا يضعه في يده، ويُطلقه من قلبه.
ومن لا يفهم يبني قصرًا يسكنه القلق، ويجمع رقمًا لا يُجيب.
الغنى الحقيقي ليس أن تملك ما لا يملكه الناس؛ بل أن تنام الليل ولا يملكك ما تملك، وهذا هو الفرق كله
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.