المقدمة: لحظات الوداع اختبار القبول:
ها هو رمضان يوشك أن يرحل، كضيفٍ كريمٍ زار القلوب فأحياها، وغسل الأرواح من أدرانها، وفتح أبواب السماء لمن أراد القرب من الله
لكن السؤال الذي يهزّ القلوب:
من المقبول؟ ومن المحروم؟.
قال الله تعالى:﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: 99].
فالمسألة ليست انتهاء موسم، بل استمرار طريق… وليس المهم أن نصل رمضان، بل أن نخرج منه وقد تغيرنا.
أولًا: من هو المحروم؟ (ميزان خطير):
قال النبي ﷺ: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له" (رواه الترمذي)
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف:
"المحروم من حُرم المغفرة في هذا الشهر العظيم، وهو شهر الرحمة والعتق من النيران"(ابن رجب الحنبلي ، 2007م،ص 370).
المحروم ليس من فاته الصيام فقط، بل: من صام ولم يتغير، من صلى ولم يخشع، من قرأ القرآن ولم يتدبر، من عاش رمضان كعادة لا عبادة.
ثانيًا: علامات قبول العمل بعد رمضان:
ذكر العلماء علامات لقبول الطاعة، منها:
1) الاستمرار بعد الطاعة:
قال الله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾[فصلت: 30].
قال ابن كثير في تفسيره: "أي استمروا على العمل الصالح بعد الطاعة" (ابن كثير، ج7، ص 164، 1999م).
2) الندم على التقصير:
قال الحسن البصري: "المؤمن يجمع إحسانًا، وخوفًا، والمنافق يجمع إساءة وأمنًا"
3)كراهية العودة للمعصية:
قال تعالى:﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾[النحل: 92].
ثالثًا: وداع السلف لرمضان (مدرسة القلوب):
كان السلف الصالح يعيشون مع رمضان بروح مختلفة:
كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم
قال سفيان الثوري: "كانوا يخافون من عدم القبول أكثر من تقصير العمل"
وهذا هو الفارق بيننا، وبينهم، نحن نفرح بانتهاء العبادة، وهم يخافون ألا تُقبل.
رابعًا: قصة مؤثرة…بين القبول والحرمان:
يُروى أن رجلين كانا يصومان ويقومان، فلما مات أحدهما رآه صاحبه في المنام في حالٍ عظيم.
فقال له: "بمَ نلت هذا؟" قال: "بركعتين كنتُ أصليهما بعد رمضان… لم أتركهما أبدًا".
المغزى: ليس العبرة بكثرة العمل في رمضان فقط، بل بالثبات بعده.
خامسًا: كيف لا نكون من المحرومين؟ (خطة عملية):
1) اجعل لك وردًا ثابتًا من القرآن:
قال تعالى:﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾[المزمل: 20].
ولو صفحة يوميًا… المهم الاستمرار.
2)حافظ على الصلاة في وقتها:
قال ﷺ: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها" (متفق عليه).
3) استمر في الصيام:
قال ﷺ: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر" ،(رواه مسلم).
4) داوم على الذكر:
قال تعالى:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾[البقرة: 152].
5) صحبة صالحة:
قال ﷺ: "المرء على دين خليله" (رواه أبو داود).
سادسًا: الربط بالواقع… لماذا ننتكس بعد رمضان؟
لأننا: نعبد رمضان لا رب رمضان، نعود للبيئة الفاسدة، نقطع صلتنا بالقرآن الكريم، نُهمل الصحبة الصالحة
قال ابن القيم في مدارج السالكين: "من ذاق حلاوة القرب من الله لا يمكن أن يعود بسهولة إلى المعصية". (ابن القيم :2007م، ج2، ص 68)
سابعًا: أبيات شعرية في وداع رمضان:
يا شهرَ خيرٍ رحلتَ والدمعُ انهَمَرا وفي القلوبِ لهيبُ الشوقِ قد سُعِرا
كم من دموعٍ سرتْ في الليلِ خاشعةً ترجو القبولَ… وخوفُ الردِّ قد حضرا
إن كنتَ قد رحلتَ عنا فذكرك في قلبي سيبقى… ولن يُطوى ولن يُمحى
يا ربِّ تقبلْ صيامي وقيامي ولا تجعلني يا إلهي في الورى خُسِرا
واجعل ختامَ حياتي طاعةً وهدى واكتبْ لنا جنةً فيها المنى تُزهرا
ثامنًا: الواجب العملي:
اكتب خطة بعد رمضان: صفحة قرآن يوميًّا، ركعتا قيام ولو قليل، صدقة أسبوعية، صيام الإثنين والخميس.
والتزم بها 30 يومًا. ستجد أنك ولدت من جديد.
تاسعًا: وصية قلبية
لا تجعل رمضان ذكرى، بل اجعله بداية حياة جديدة. إذا خرجت من رمضان كما دخلت فقد خَسِرت.
وإذا خرجت أفضل فقد ربحت، وإذا ثبتّ بعده فقد فزت.
الخاتمة: لحظة الحسم:
رمضان ليس النهاية؛ بل البداية، والمحروم الحقيقي هو من عرف الطريق ثم تركه
قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة: 27].
اللهم لا تجعلنا من المحرومين… اللهم تقبل منا رمضان، وبلغنا رمضان أعوامًا عديدة ونحن في طاعتك.
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمين.. يارب العالمين.
المراجع:
- ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، دار ٢)ابن كثير، ط1، 2007م.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1999م، ج7.
- ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي،2007م ج2.
- النووي، رياض الصالحين، دار السلام، ط2، 2000م.
- صحيح البخاري، كتاب الإيمان.
- صحيح مسلم، كتاب الصيام.
- الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الصوم.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية