الأسرة

البيت المسلم

حاجة الأبناء إلى ميزان ترتيب الأولويات فيما يطلبونه

حاجة الأبناء إلى ميزان ترتيب الأولويات فيما يطلبونه

"أريده!" — كلمةٌ يرددها الطفل عشرات المرّات في اليوم، ولا يميّز فيها غالبًا بين حاجةٍ ماسّة ورغبةٍ عابرة؛ فكلّ ما يخطر بباله يصبح عنده "ضرورة" في تلك اللحظة. ومهمّة الوالدين أن يعلّماه ميزانًا يفرّق به بين الأمور، لا أن يُتركا وحدهما في مواجهة إلحاحه بلا أداة.

وقد قدّم علماء مقاصد الشريعة ميزانًا دقيقًا يصلح أن يكون أداةً تربوية عملية؛ فقسّموا مصالح الإنسان إلى ثلاث مراتب: الضروريات، وهي ما لا يقوم أمر الحياة بدونها؛ والحاجيات، وهي "ما يُفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق"؛ والتحسينيات، وهي "ما يعود بالتحسين والتكميل والتزيين" لما سبقها، "كآداب الأكل والشرب، والمجاملة، والتنظّف" وما شابهها.

 

ثلاث مراتب، ثلاث معاملات مختلفة

الضروري لا يُساوَم عليه. فطعام الطفل وصحته وتعليمه الأساسي وأمانه، أمورٌ لا تنازل فيها؛ فهذه أساس قيام حياته، والتقصير فيها ظلمٌ له.

الحاجي يُوفَّر بقدر الاستطاعة دون إسراف. فهو ما يرفع الضيق والمشقّة ولو لم يكن أصلًا لازمًا؛ كوسيلة نقلٍ مريحة، أو مساحةٍ كافية في البيت، أو أدواتٍ تُيسّر دراسته. فهذا يُعطى حين تسمح الإمكانات، ولا يُعدّ تفريطًا منعه عند الضيق.

والتحسيني هو الأكثر مرونة، وأقلّها إلزامًا. فهو الزينة والتجميل وما يُستمتَع به دون أن يكون له أثرٌ جوهري في سير الحياة؛ كاللعبة الجديدة، أو الملابس ذات الماركة، أو الرحلة الترفيهية الإضافية. وهنا يكمن الخلل الذي يقع فيه كثيرٌ من الأبوين: أن يعاملوا التحسيني معاملة الضروري، فيرهقوا أنفسهم ماليًّا ونفسيًّا، ويُربّوا أبناءهم على أن كلّ رغبةٍ يجب أن تُلبّى فورًا.

 

لماذا نحتاج هذا الميزان في بيوتنا؟

لأن الخلط بين المراتب يُنتج أبناءً لا يعرفون قيمة الأشياء. فالطفل الذي تُلبّى له التحسينيات كما تُلبّى الضروريات، لا يتعلّم الفرق بين ما يستحقّ التضحية من أجله وما يمكن الاستغناء عنه؛ فينشأ لا يقدّر النعمة لأنه لم يذق فرق ما بين وجودها وعدمها.

ولأنه يحمي الأسرة من الاستنزاف. فالبيت الذي لا يميّز بين المراتب الثلاث يجد نفسه يُنفق على التحسينيات ما كان ينبغي أن يُدَّخر للضروريات، فيقع في ضيقٍ كان يمكن تجنّبه بترتيب الأولويات فحسب.

ولأنه يُعلّم الطفل الصبر والانتظار. فحين يفهم أن هذا الطلب "تحسينيّ" لا "ضروريّ"، يتعلّم أن يصبر عليه، أو يسعى لتحصيله بجهده هو حين يكبر، بدل أن يعتاد أن كلّ رغبةٍ تُلبّى بمجرّد طلبها.

 

كيف نطبّق هذا الميزان عمليًّا؟

علّم ابنك السؤال الثلاثي. حين يطلب شيئًا، اسأله معه بهدوء: هل هذا ممّا لا تستطيع العيش بدونه (ضروري)؟ أم ممّا يُريحك ويُيسّر عليك (حاجي)؟ أم ممّا يُسعدك فحسب دون أن يكون ملحًّا (تحسيني)؟ فتكرار هذا السؤال يُنشئ عنده ملَكة التمييز تلقائيًّا مع الوقت.

رتّب ميزانية البيت على هذا الأساس أمامهم. فحين تُقرّر الأسرة مصروفها، اشرح لأبنائك بصوتٍ مسموع: هذا للضروريات أوّلًا، وهذا للحاجيات إن اتّسع المال، وهذا للتحسينيات إن تبقّى شيء. فهم يتعلّمون التخطيط المالي بالمشاهدة لا بالنظرية.

لا تُشعرهم بالذنب في طلب التحسينيات، لكن لا تُلزم نفسك بتلبيتها فورًا. فمن حقّ الطفل أن يرغب في الجميل والممتع؛ لكن من حقّك أنت أن تُعلّمه أن الرغبة لا تعني الاستحقاق الفوري.

اجعل التحسينيات ثمرة جهدٍ أحيانًا. فبدل أن تُهدى دائمًا، اجعلها أحيانًا هدفًا يسعى إليه الطفل بادّخارٍ أو عملٍ صغير؛ فبهذا يتعلّم قيمتها الحقيقية، ويفرح بها فرحًا أعمق من فرح من نالها بلا جهد.

 

خاتمة

بيتك لن يخلو من طلبات أبنائك، لكنه يحتاج ميزانًا يُنظّم بها الاستجابة لها. علّمهم الفرق بين الضروريّ الذي لا يُساوَم، والحاجيّ الذي يُوفَّر بقدر، والتحسينيّ الذي يُؤجَّل أو يُكتسَب بجهد؛ فبهذا الميزان الذي استعاره علماؤنا من مقاصد الشريعة العظيمة، تُخرج لأبنائك وعيًا بالأولويات يحملونه معهم طوال حياتهم.

 

 

اقرأ أيضًا: امرأة دخلت النار في هِرّة ورجل دخل الجنة في كلب

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم