مقالات تربوية

المربي

الإخوان المسلمون إلى أي شيء يدعون الناس

الإخوان المسلمون إلى أي شيء يدعون الناس

كانت رسائل الإمام البنا –رحمه الله– ولا تزال عملاً يمليه الواقع، ويخاطب الواقع كذلك. فهي ليست رسائل في الفلسفة، ولا في اللاهوت، إنما هي عمل يخاطب الواقع، ولذلك جاءت بعيدة عن التكلف والصنَّعة، متسمة بالسهولة والوضوح . 

وهذا من صفات رسائل الإمام البنا رحمه الله.

في هذه الرسالة يتضح هذا المعنى في كون الرسائل إنما هي عمل يمليه الواقع ويخاطب الواقع كذلك. 

إنها تتكلم عن كيف كان الإسلام  قديما قاعدة الانطلاق الصحيحة للمسلمين، في بناء  حضارتهم، وفي مواجهة حضارات أخرى من حولهم، برؤية عقيدية واضحة. وكيف كانت استجابة النفوس لمتطلبات العقيدة فيها، من النهوض إلى المقاومة والتحدي. ثم كيف ذابت هذه المعاني وانحسر مفهومها، وانحسر بذلك دور الأمة، فتجرعت المظالم والآلام .

في هذه الرسالة دعوة للأمة كي تتعرف على إسلامها، وكي تتعرف على متطلبات العقيدة في النفس، من النهوض إلى المقاومة والتحدي، من أجل بناء الحضارة الأجدى، والثقافة الأوسع والفكر الأرشد، وأيضا حتى تتبوأ هذه الأمة مكانتها في العالم الجديد، بعيدة عن ذلك الواقع البئيس الذي يخالف أصول الاعتقاد.

الإسلام قاعدة الانطلاق الصحيحة:

قديماً كان الإسلام قاعدة الانطلاق الصحيحة التي انطلق  منها المسلمون حتى في تنوع مذاهبه. ولم يكن ذلك قصدا للهوى أو الابتداع، وإنما كان تحقيقا لمطالب العقيدة في النفس من النهوض إلى المقاومة والتحدي.

كان الفقه تعبيراً عن قدرة العقل المسلم على استيعاب عالم الشهادة، من تغيرات ووقائع وأحداث.

كان علم الكلام يقوم على إرساء النقل على قواعد العقل والنظر، درء للتعارض بين العقل والنقل والشبهات التي أثارها الأعداء.

كان تفسير القرآن الكريم تعبيرا عن المذهبية الإسلامية، في تفسير حركة التاريخ وما وراءها من السببية والغائية. 

كانت الصوفية ترجمة لصرخات الزهاد الأوائل في مقاومة الظلم والقهر، وإظهار لقوة الإسلام وعزة المسلم.

حتى  الفلسفات المنحرفة أو الأفكار  الضالة التي ظهرت، لم تكن لتجد لها الرواج إلا وهي تؤول الكتاب أو السنة، لتسند به مواقفها واتجاهاتها.

بهذه الصورة كان الإسلام –فعلًا– هو قاعدة الانطلاق للمسلمين في بناء حضارتهم. ولذلك كانت الأمة  الإسلامية في ذلك الوقت البعيد كما يقول الشيخ  محمد الغزالي في كتابه: "جهاد الدعوة بين عجز  الداخل وكيد الخارج " عنوانا ضخماً على حقيقة كبرى: إنها تعنى الثقافة الأوسع، وتعنى الحضارة الأجدى، والفكر الأرشد يوم أن كنّا العالم الأول، ويوم أن كان المسلمون يسيرون ينثرون في طريقهم الأزهار والآمال، وكانت الأمم تلتحق بهم لتتعلم وتستفيد.

ثم تراجع ذلك كله وحدثت النكبة الكبرى، أو الفصام النكد. وانحسر مفهوم الرسالة، - رسالة الإسلام- وأنحسر دور الأمة، فتجرعت المظالم والآلام.

ولذلك حفلت هذه الرسالة: التي تتكلم عن  مهمة الأمة حفلت  بالحديث عن الغاية لأنها  أساس في دفع المسلمين للقيام بمهمتهم.

يقول الإمام  البنا رحمه الله: "مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس) وما يستتبع ذلك من الأعمال، أو ما يسمى  بالواجبات التي تؤهل لتحقيق هذه الغاية، 

ثم تكلم الإمام البنا عن طبيعة هذه المهمة رغم ذلك الواقع البئيس الذي تعيشه الأمة، وأنها مهمة ممكنة، وأنها هدف قابل للتحقيق، لكنه يحتاج إلى وسائل من الاستعداد النفسي الهائل، ومن الإعداد المادي من القوة اللازمة. وإعداد نفسي هائل يعني تربية نموذجية تميز هذه المبادئ في النفوس، وإعداد مادي يعنى إعداد القوة اللازمة لحماية الحق. متعللًا بالأماني والآمال التي يمليها الواقع لا التي يستبد بها الخيال " قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن  بعد ما جئتنا قال موسى استعينوا بالله واصبروا. إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

عبرة التاريخ، يؤكد عليها الإمام البنا، لأنها مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلًا، إنها في إطار الممكن والقابل للتحقيق. ولذلك عندما يتعلل بالأماني والقعود أو الآمال فإن ذلك يجب أن يكون بعيدا عن اليأس والخور.

وكانت طبيعة الرسل وهم يدعون أقوامهم ليقوموا  بمهمة دعوتهم، كانوا يتعللون  بالأماني والوعود تلك التي يمليها الواقع. وكان بإمكانهم أن يقوموا بهذه المهمة لو أعدوا نفوسهم هذا الإعداد النفسي الهائل من التربية النموذجية، ومن ناحية أخرى بالإعداد المادي أو القوة اللازمة لحماية الحق.

ثم يتكلم بعد ذلك عن أثر ذلك في صلاح العالم وعمارته من الرفعة والطهر ومن الصلاح والعمار. 

ثم يتكلم عن أن هناك  سببا لوجودنا العالمي وسببا لقيادتنا له كذلك. لأننا نملك أن نمنح البشرية ما لم تملكه بالفعل،إننا نملك ذلك المنهج الذي تستطيع البشرية – من خلاله- أن تحتفظ بنتاج عبقريتها، وأن تستفيد منه كذلك:﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج: 78]

كانت هذه مقدمة لهذه الرسالة، والعناصر المهمة التي اشتملت عليها هي:

مهمة الأمة في ظل الغاية المحددة الواضحة، والواجبات التي تتحقق بها هذه الغاية، وإمكانية تحقيق هذه المهمة، والوسائل المطلوبة نفسيا وماديا، والتعلل بالأماني والآمال، ثم الأثر الصالح الذي نتركه في العالم من الرفعة والطهر والصلاح والعمار، ثم السبب الوجيه في وجودنا العالمي وقيادتنا للعالم

كذلك لأننا نملك المنهج " الذي يهدي البشرية إلى الحق والناس جميعاً إلى الخير وينير العالم كله بشمس الإسلام.

فالقرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية  القاصرة ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة وإذن فذلك من شأننا لا من شأن الغرب، ولمدينة الإسلام لا لمدينة المادة (رسالة إلى أي شيءٍ ندعو الناس ).

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم