مقالات تربوية

سُنّة في كل تفاصيل اليوم في البيت ليصير عبادة

سُنّة في كل تفاصيل اليوم في البيت ليصير عبادة

من أعجب القصص التي حفظها القرآن الكريم قصّة الغلام وأصحاب الأخدود؛ فتًى صغيرٌ آمن بربّه في زمن ملكٍ ظالم، فأراد الملك قتله مرّاتٍ فنجّاه الله في كلّها: من الساحر، ومن الجبل الذي اهتزّ فسقط من حوله، ومن البحر الذي أغرق من كان معه. وكان بإمكانه أن يفرّ إلى مكانٍ آخر بعيدًا عن بطش الملك بعد كلّ نجاة، لكنه لم يفعل؛ بل عاد إلى الملك ولم يفرّ.

 

لماذا لم يفرّ الغلام؟

إن الغلام صاحب دعوة، وهمّه الأوّل أن تصل الدعوة إلى الناس؛ ولم يهتمّ لحياته قدر اهتمامه بدعوته، بل سعى إلى الموت لأنه أدرك أن موته سيكون سببًا في إحياء الدعوة إلى الله عزّ وجلّ.

فحين عجز الملك عن قتله بكلّ حيلة، علّمه الغلام نفسه الطريقة: قال له اجمع الناس في صعيدٍ واحد، واصلبني على جذع، وخذ سهمًا من كنانتي، وقل: بسم الله ربّ الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل الملك، فوقع السهم في صدغ الغلام، فمات. فقال الناس: آمنّا بربّ الغلام.

فتأمّل: غلامٌ يرشد قاتله إلى الطريقة الوحيدة التي تقتله! لم يفعل ذلك يأسًا من الحياة، بل لأنه رأى أن موته الظاهر هو النصر الحقيقي؛ إذ به تنتشر الدعوة بين الناس الذين شهدوا المعجزة.

 

امتحانٌ يتكرّر: المرأة والصبي

وبعد أن آمن الناس، غضب الملك فأمر بحفر الأخدود وإضرام النار فيه، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. ففعلوا؛ حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيّ لها فتقاعست أن تقع فيها. فقال لها الصبيّ: "يا أمّه، اصبري فإنكِ على الحقّ".

فتأمّل من يخاطب من: صبيٌّ رضيع يثبّت أمّه! في اللحظة التي يجب أن تحمل فيها الأمّ ابنها وتحميه، ينقلب المشهد: الابن يحمل أمّه بكلمته ويحميها من التردّد. فأيّ تربيةٍ إيمانية صنعت في هذا الطفل من الثبات ما لم تصنعه في أمّه الكبيرة؟

 

ما الذي نتعلّمه من هذه القصّة؟

أوّلًا: أن قيمة المبدأ قد تفوق قيمة حياة صاحبه في ميزانه. فليس المطلوب من كلّ واحدٍ منّا أن يسعى إلى الموت؛ لكنّ الدرس أن يعرف الإنسان أن هناك ما هو أثمن من راحته الشخصية، وأن التضحية الحقيقية ليست في فقدان شيء، بل في كسب شيءٍ أعظم بهذا الفقد.

وثانيًا: أن أثر الموقف قد يفوق أثر صاحبه لو عاش. فلو فرّ الغلام لنجا بنفسه، لكنّ دعوته كانت ستبقى محصورة؛ أمّا موته فكان سببًا في إيمان أمّةٍ كاملة. فأحيانًا يكون العطاء الأعظم في اللحظة التي نظنّها خسارة.

وثالثًا: أن التربية الصحيحة تُثمر ثباتًا حتى في أصغر الأعمار. فالصبيّ الذي ثبّت أمّه لم يخترع كلمته من فراغ؛ بل كان نتاج بيئةٍ إيمانية غرست فيه اليقين قبل أن يبلغ. فربِّ أبناءك على هذا اليقين مبكرًا؛ فلا تدري أيّ موقفٍ سيحتاجون فيه إلى ثباتٍ يفوق أعمارهم.

ورابعًا: أن الصبر في وجه الفتنة ليس ضعفًا بل قوّة. فالمرأة التي تقاعست لم تكن جبانةً بالمعنى المذموم، بل كانت أمًّا تخاف على ابنها؛ ومع ذلك احتاجت إلى من يذكّرها بالحقّ. فكلّنا -مهما قوي إيماننا- قد نحتاج لحظة تذكيرٍ من أقرب الناس إلينا.

 

أثرٌ يمتدّ إلى اليوم

وهذه القصّة نفسها -التي رواها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنًا- ما زالت تُروى وتُتلى وتُدرَّس وتهزّ القلوب؛ فأثر الغلام لم ينتهِ بموته، بل امتدّ عبر الأزمنة. وهذا هو معنى أن يعلّق الإنسان نفسه الفانية بالمنهج الباقي.

 

خاتمة

قد لا نُبتلى بمثل ما ابتُلي به الغلام، لكنّ قصّته تعلّمنا ميزانًا نحتاجه في كلّ مواقف حياتنا الصغيرة: هل نقدّم راحتنا على المبدأ، أم نقدّم المبدأ على راحتنا؟ فمن ربّى نفسه وأبناءه على أن للحقّ قيمةً تستحقّ التضحية، أورثهم يقينًا يثبّتهم في أحلك اللحظات؛ كما ثبّت ذلك الصبيّ أمّه وهي في أشدّ لحظات الفتنة.

 

 

اقرأ أيضًا: داء التعيير: حين يتحول الخلاف الفرعي إلى تجريح وتحقير

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم