مقالات تربوية

اعقلها وتوكل

اعقلها وتوكل

مرّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في موسم من مواسم الحج بجماعة من أهل اليمن جاءوا بلا زاد يكفيهم، متكلين على كرم الحجيج من حولهم، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا بثقة من يحسب نفسه على الدرجة العليا من الإيمان: نحن المتوكلون. فرد عليهم عمر مباشرة دون مجاملة تليق بمقامهم المزعوم: بل أنتم المتكلون على أموال الناس؛ ثم بيّن لهم الفرق في جملة واحدة ما زالت تختصر الفقه كله: إنما المتوكل من ألقى حبّه في بطن الأرض ثم توكل على ربه. لم ينكر عليهم عمر التوكل بوصفه معنى إنما أنكر عليهم توظيفه غطاءً لترك الزاد الذي كان بمقدورهم تحصيله.

أربعة عشر قرنًا مرت على هذا الموقف ولايزال أبناؤه يتكاثرون بيننا بوجهين متعاكسين تمامًا كما كانا في ذلك الموسم. رجل يردد "الرزق مقسوم" عند كل قرار مالي متعثر فيرفض فتح باب ادخار أو التفاوض على راتبه أو مقارنة سعرين قبل شراء، ويأخذ قرضًا بلا خطة سداد واضحة مكتفيًّا بيقين لا يصحبه فعل يشبه يقين أهل اليمن أنفسهم وهم يقصدون بيت الله بلا زاد. ورجل آخر على النقيض تماماً يضبط كل تفصيلة من ماله حتى تتحول جداول ميزانيته ومحفظته الاستثمارية إلى عبادة بديلة، يتابع كل مؤشر بقلق من يخشى فوات لحظة، ويقارن عائده بعائد من حوله مقارنة لا تهدأ، فيسكن قلبه إلى الرقم على الشاشة سكونه إلى الله، وينسى أن التخطيط نفسه حبة تُلقى لا ضمانة تُشترى. الرجلان يتقابلان ظاهرياً أشد التقابل، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة لا يفطن إليها كلاهما: كل منهما أخطأ موضع السؤال أصلًا، فسأل نفسه هل يأخذ بالسبب أم يتركه، بينما السؤال الذي يستحق أن يُطرح منذ موقف عمر ذاك هو غيره تمامًا: هل التوكل موقف من العمل نفسه أم موقف القلب أثناء العمل؟

والجواب الذي يفضّ هذا الاشتباه في موقف الرجل الذي جاء إلى النبي -ﷺ- فسأله: أعقل ناقتي وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ فأجابه: "اعقلها وتوكل" (رواه الترمذي). جمع النبي -ﷺ- في هذه الكلمات الثلاث بين الأمرين معاً في جواب واحد، فجعل عقل الناقة نفسه صورة من صور التوكل، لا مرحلة سابقة عليه يُترك بعدها الفعل للقدر وحده. فلا يُتصور توكل صادق يهمل سبباً مقدوراً عليه، ولا يُتصور أخذ بالسبب سليم يغفل قلبه عن المسبب الحقيقي وراءه؛ وبين هذين طرفي المعادلة يقف التوكل الحق: يد تعمل وقلب يُسلّم.

وهذا بعينه ما أشارت إليه الآية الكريمة في أمر مريم بهزّ جذع النخلة اليابسة، رغم قدرة الله على إسقاط الرطب عليها دونما حركة منها.

وأيضا بمعرفة أن مقياس التوكل موضعُ القلب من السبب نفسه لا صورة السبب الظاهرة ولا حجمه. فمن اتخذ السبب معتمدًا عليه استقلالًا أشرك به من حيث لا يشعر شركًا خفيًّا يسكن القلب دون أن يظهر على الجوارح، ولو بدا في صورة المخطط الحصيف الذي يُحسن كل حساب؛ ومن تركه زاعمًا التوكل عطّل أمر الله بالأخذ بالأسباب، تعطيلًا يتزين بلباس الزهد والثقة، ولو بدا في صورة الرجل المطمئن الذي لا يقلق على رزقه. والخطورة أن الفعل الظاهر وحده لا يكشف الفرق بين الرجلين؛ فقد يتابع اثنان ميزانيتهما بالدقة ذاتها، أحدهما يفعل ذلك عبادة يرجو ثوابها ويسلّم نتيجتها لله، والآخر يفعل الشيء نفسه قلقًا يريد أن يُحكم به قبضته على مصيره بمعزل عن قدر الله، فيبدوان من الخارج سواء بينما يفترقان في الجوهر افتراقاً كاملاً. والصواب أن يُتخذ السبب طاعةً تُؤدى بجهد كامل لا تفريط فيه، ثم يُنتظر الأثر بعدها من الله وحده انتظارًا لا قلق فيه، فيبقى القلب حرًّا من السبب حين يحضر، وحرًّا من الخوف حين يغيب.

وأوضح تجليات هذا الشرك الخفي نراها اليوم في صورتين تقليدية ورقمية، يتحد فيهما المرض وإن اختلفت الأداة. فمن لا يعرف عن الاستثمار الرقمي شيئًا قد يعيش النسخة البسيطة منه: يتصل بخدمة الرصيد الآلي أو يفتح تطبيق حسابه البنكي عشرات المرات في اليوم، يطمئن على رقم لا يتغير غالباً بين اتصال واتصال، وكأن تكرار النظر إليه يحفظه من الضياع. ومن يتابع الأسواق عبر تطبيقات الاستثمار يعيش النسخة الأحدث من الداء نفسه وأشدها إغراء؛ يفتح تطبيقه أول ما يستيقظ قبل أن يفتح باب بيته للرزق الحقيقي، ويقرأ المؤشر الأخضر أو الأحمر بقلب يتعلق به تعلقاً يوازي تعلق العابد بربه، حتى إذا انقطع الإنترنت عن هاتفه ساعة واحدة أصابه من القلق ما لا يصيبه انقطاعه عن الاستغفار يومًا كاملًا. وقد صُممت إشعارات هذه التطبيقات أصلًا لتستدرج هذا التعلق وتغذيه، فتنبهه عند كل ارتفاع طفيف ليشعر بنشوة الإنجاز، وعند كل انخفاض ليشعر بلسعة الخسارة، ناسيًا في الحالتين أن يدًا واحدة قدّرت الأمرين معًا. ويصل الأمر ببعضهم إلى مقارنة عائد محفظته بعائد زملائه في مجالس لا تخلو من التفاخر الخفي، فيتحول الاستثمار من وسيلة حفظ المال إلى ساحة تنافس تشغل القلب عن غايته الأصلية. وفي الحالتين يفقد صاحبه ساعات من راحته على رقم لن يتغير بنظرة إضافية إليه، بل إن كثيرًا منهم يدفع ثمن هذا القلق نقدًا لا معنى فقط؛ فحين يهبط المؤشر يبيع بدافع الذعر خشية خسارة أكبر، ثم يشاهد السوق يستعيد عافيته بعد أيام قلائل وهو خارجه، فتكون الخسارة الحقيقية الوحيدة في القصة كلها قرارًا أملاه عليه قلقه لا حساباته. وسواء كانت الأداة دفتر حساب ورقيًّا أو رصيدًا هاتفيًّا أو محفظة رقمية، فالسبب نفسه مباح كائنًا ما كان؛ العيب في القلب الذي يمنحه وهم السيطرة الكاملة على مصير لم يُخلق أصلاً ليكون بيد أحد سوى الله.

وبين هذين الطرفين يملك كل مسلم اختبارًا واحدًا يكشف موقعه الحقيقي بصدق، ولا يحتاج فيه إلى انتظار موقف حقيقي ليطبقه؛ يكفيه أن يتخيله بصدق مع نفسه في هدوء الليل. فليتخيل أنه بذل السبب المتاح كاملًا، ادخارًا أو استثمارًا أو طلبًا للرزق، ثم تأخر الأثر أو جاء على غير ما أراد رغم ذلك. هذا التخيل تحديدًا هو ما يكشف الحقيقة، لأن كلا الرجلين يبدوان متوكلين في أيام الرخاء؛ الأول يهدأ لأنه لم يبذل جهدًا يخاف عليه أصلًا، والثاني يهدأ لأن أرقامه لا تزال خضراء، وكلاهما لم يُختبر بعد. أما حين يُتخيل الأثر متأخرًا أو معاكسًا فإن بقي القلب مطمئنًا عارفًا أنه أدى ما عليه وأن الباقي بيد من قدّر الأمرين معًا فقد عقل ناقته وتوكل حقًّا. وإن وجد قلبه يضطرب اضطراب من فقد شيئًا من ذاته، أو اكتشف أنه يتهرب أصلًا من الأخذ بالسبب خشية أن يُسأل عنه يومًا فليعلم أن حسابًا مصرفيًّا أو صفحة خضراء وحمراء على شاشة هاتفه أخذت من قلبه مكانًا لا يستحقه سوى الله. ومن وجد نفسه في الفريق الثاني فلا حاجة به إلى يأس فمعرفة الداء نصف الدواء، وبقية الطريق تبدأ بخطوة واحدة صغيرة يعيد بها القلب إلى موضعه الصحيح.

وحين نعود إلى موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتضح أن التوكل الذكي ممارسة يومية تتجدد مع كل قرار مالي مهما صغر؛ فأهل اليمن أخطأوا حين ظنوا أن الوصول إلى بيت الله لا يحتاج زاداً، وأخطأ نظيرهم المعاصر حين ظن أن الوصول إلى الطمأنينة يحتاج زادًا فقط. والحل الذي وضعه عمر في جملته القصيرة لم يتغير عبر أربعة عشر قرنًا: حبة تُلقى في الأرض ثم قلب يتوكل على من يُنبتها.

فمن وجد نفسه أقرب إلى أهل اليمن فخطوته الليلة أن يفتح أول باب ادخار له ولو بأصغر مبلغ يقدر عليه، بنية أنه يلقي حبته الأولى بغض النظر عن راتبه الحالي أو ظرفه الراهن. ومن وجد نفسه أقرب إلى صاحب التطبيق المتيقظ على مؤشره فخطوته أن يحذف الإشعارات اللحظية عن هاتفه الليلة نفسها ويكتفي بمراجعة أسبوعية أو شهرية تحفظ له المتابعة دون أن تسرق منه سكينته. خطوتان صغيرتان لا تحتاجان فتوى ولا خبيرًا ماليًّا، لكنهما تكفيان ليبدأ كل مسلم رحلته من حيث بدأها عمر بن الخطاب: فعلٌ و توكل.

وبين عقل الناقة والتوكل عليها يكمن الفارق كله بين إيمان يُقال وإيمان يُمارس. فحين تنظر إلى حسابك المصرفي الليلة اسأل نفسك سؤالًا واحدًا لا يحتاج فتوى: هل ما فيه حبة ألقيتها بيدك، أم صنم صنعته يداك؟ الجواب وحده يحدد أي الرجلين أنت، وهو الفارق الذي يستحق أن يحمل معنى التوكل الذكي.

 

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم