المربي

أربع خصائص تصحح مسار المربي

أربع خصائص تصحح مسار المربي

كثيرٌ من إخفاقات المربّين لا ترجع إلى ضعف علمهم ولا قلّة إخلاصهم، بل إلى خلل في طريقة التعامل مع النفس البشرية: يتعاملون مع من يربّونهم كأنهم قوالب تُصبّ، أو يبدؤون معهم من حيث يتمنّون لا من حيث هم، أو يركّزون على سلبياتهم فيحبطونهم، أو يكتفون بالتوجيه النظري بلا ميدان.

ولهذا كانت التربية الراشدة تقوم على خصائص لا يحيد عنها المربي؛ وهذه أربعٌ منها هي أكثر ما يحتاج المربي إلى مراجعته في نفسه:

 

أوّلًا: تربيةٌ إنسانية

فهي تتعامل مع نفسٍ بشرية لا مع جمادات؛ تأخذ في سيرها بالسنن الإلهية في التعامل مع النفس البشرية، وأن هذه النفس لها مقوّمات وخصائص ومشاعر وأحاسيس.

ومعنى هذا عمليًّا: أن تراعي في متعلّمك تعبه ومرضه وظرفه العائلي وحالته النفسية؛ فلا تطلب من مهمومٍ ما تطلبه من مرتاح، ولا من مريضٍ ما تطلبه من معافى. والمربي الذي يتعامل مع الناس كأرقامٍ في جدول، يحصل على أرقام ويخسر بشرًا.

ومن هذا الباب أن تعرف أن للنفس إقبالًا وإدبارًا؛ فتستثمر إقبالها، وترفق بها عند إدبارها، ولا تحسب فتورها العارض انحرافًا.

 

ثانيًا: تربيةٌ واقعية

فهي تبدأ مع النفس من حيث هي، وتخاطبها وفق واقعها المحيط بها.

وهذه من أكثر ما يخطئ فيه المربّون؛ إذ يبدأ أحدهم مع متعلّمه من حيث يتمنّى أن يكون، لا من حيث هو فعلًا. فيطلب من مبتدئٍ ما يطلبه من متقدّم، ويستكثر على ضعيفٍ خطوته الأولى لأنها لا تساوي شيئًا في نظره.

والواقعية تعني أن تسأل أوّلًا: أين يقف هذا الإنسان الآن؟ ثم تبني على ذلك خطوةً واحدة تناسبه. فمن نقل متعلّمه من صفرٍ إلى واحد فقد أنجز، ومن طالبه بالعشرة دفعةً واحدة أحبطه وأحبط نفسه.

وتعني أيضًا مراعاة واقعه المحيط: بيته، وعمله، ومجتمعه، وضغوطه؛ فالتوجيه الذي لا يراعي الواقع يبقى كلامًا جميلًا لا يُطبَّق.

 

ثالثًا: تربيةٌ إيجابية

فهي دعوةٌ للأمل والفاعلية، ترتكز على البحث عن إيجابيات النفس والبدء بها والتركيز عليها ومحاولة تنميتها، وإضفاء روح الإيجابية البنّاءة.

فتأمّل هذا المنهج: ابدأ بالإيجابيات. فبدل أن تفتتح علاقتك بمتعلّمك بقائمة أخطائه، ابحث عن نقاط قوّته فابنِ عليها؛ فالنفس إذا شعرت بأن فيها خيرًا انطلقت، وإذا شعرت بأنها مجموعة عيوب استسلمت.

وهذا لا يعني إهمال التقويم؛ بل يعني ترتيب الأولويات: تنميةٌ للإيجابي أوّلًا، ثم معالجةٌ للسلبي تدريجيًّا. والمربي المحبِط -ولو كان صادقًا في ملاحظاته- يهدم أكثر ممّا يبني؛ لأن المتعلّم المحبَط لا يتقدّم.

 

رابعًا: تربيةٌ حركية

فهي تقوم على التربية الميدانية التفاعلية، لا على التوجيه الفكري أو النظري.

فالقيم لا تُغرس بالمحاضرات وحدها، بل بالممارسة في ميدان: عملٌ يُكلَّف به، ومسؤوليةٌ يحملها، ومشروعٌ ينفّذه، وخطأٌ يتعلّم منه. فما يتعلّمه المتعلّم بيده يرسخ، وما يسمعه بأذنه يتبخّر.

ومن ثمرات هذا أن تتحوّل المبادئ النظرية إلى حركة، والأفكار إلى واقع ملموس، والرسالة إلى رجال، والمنهج إلى جيل؛ فينتقل من ترديد الشعار إلى ممارسته.

 

وخصيصتان تكمّلان البناء

تربيةٌ مستمرّة: فهي لا تتوقّف عند مرحلة، بل تمتدّ مع النفس في مسيرة حياتها؛ فلا يظنّ المربي أنه "أنهى" تربية أحد، ولا يظنّ المتعلّم أنه تخرّج من مدرسة التزكية.

وتربيةٌ مرنة: تتلاءم مع ظروف الأفراد والمجتمع المحيط؛ فالأساليب تتغيّر وإن ثبتت الأصول، ومن جمد على أسلوبٍ واحد مع كلّ الناس وفي كلّ الظروف، أخفق مع أكثرهم.

 

خاتمة

راجع نفسك في هذه الخصائص: هل تتعامل مع متعلّميك كبشرٍ لهم مشاعر وظروف؟ وهل تبدأ معهم من حيث هم أم من حيث تتمنّاهم؟ وهل تبني على إيجابياتهم أم تفتتح بأخطائهم؟ وهل تنقلهم إلى الميدان أم تكتفي بالتوجيه النظري؟ فالتربية تغييرٌ ينفذ إلى الروح والجوهر والمضمون، لا إلى الشكل الظاهري؛ ولا يبلغ ذلك إلا من أحسن التعامل مع النفس البشرية كما هي.

 

 

اقرأ أيضًا: قومٌ ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم