ليس السؤال: كم معلمًا في مدارسنا؟ بل: كم مربّيًا بينهم؟
فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين من ينقل المعلومة ومن يبني الإنسان. الملقّن يدخل الفصل ليُفرغ درسًا في أذهانٍ تحفظه لتردّه في ورقة الامتحان، ثم ينصرف وقد انتهت مهمته. أما المربي فيدخل الفصل وهو يعلم أن أمامه أرواحًا تتشكل، وأن كل كلمة ونظرة وموقف منه يُبنى في شخصياتهم لبنةً ستبقى بعد أن تُنسى الدروس كلها.
والتربية والتعليم هما أداة الأمة في إعداد أجيالها وتأهيلها لقيادة مستقبلها؛ ولهذا لم تكن مهنة التعليم يومًا وظيفة كسائر الوظائف، بل هي وراثة أشرف مقام، فأول ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في هذا الباب قوله: "إنما بُعثت معلّمًا". فمن وقف أمام طلابه فإنما يقف في موضعٍ وقفه الأنبياء، وحُقّ لموضعٍ هذا شأنه ألا يُسند إلا لمن يستحقه.
ثلاثية المربي: علم وإيمان وخلق
المربي الحقيقي تجتمع فيه ثلاث صفات لا تنفصل، وسقوط واحدة منها يهدم البناء كله:
العلم: فلا يعطي المرء ما لا يملك، والمعلم الضعيف في مادته يفقد ثقة طلابه أول ما يفقد، ومن ثم يفقد أثره فيهم. والعلم هنا لا يعني حفظ المقرر فحسب، بل التمكن الذي يجعله يبسّط المعقد ويجيب السؤال الخارج عن الكتاب، ويظل هو نفسه طالب علم لا يتوقف عن النمو.
الإيمان: وهو الروح التي تحوّل التدريس من أداء وظيفي إلى رسالة؛ فالمعلم الذي يستشعر أنه يتعبد الله بتعليم أبنائه، وأن ساعته في الفصل قد تكون أثقل في ميزانه من كثير من نوافله، يعمل بقلبٍ لا تصنعه اللوائح ولا تشتريه الحوافز.
الخلق القويم: وهو القناة التي تعبر منها القيم إلى الطلاب؛ فالطالب قد ينسى شرح معلمه، لكنه لا ينسى أبدًا عدله حين أنصف ضعيفًا، أو حلمه حين قدر فعفا، أو تواضعه حين قال: لا أعلم. فالمربي يدرّس مادتين في آن: مادةً في الجدول، وأخلاقَه خارج الجدول، والثانية أبقى أثرًا.
حين يفقد المعلم مكانته
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول: لا نطالب المعلم برسالة الأنبياء ثم نعامله معاملة لا تليق. فالمعلم الذي يلهث خلف لقمة العيش بين دروس خصوصية وأعمال إضافية، والذي تُهدر كرامته أمام طلابه ولا يجد من يصونها، يصعب أن يتفرغ قلبه لرسالته مهما صدقت نيته.
ولهذا كانت استعادة المعلم لدوره كقدوة ومربٍّ للأجيال مسؤولية مشتركة: على المجتمع أن يعيد للمعلم مكانته الأدبية والاجتماعية ويوقّره في أبنائه؛ وعلى الأسرة ألا تهدم هيبة المعلم أمام الأبناء، فمن سقطت هيبته سقط أثره؛ وعلى مؤسسات إعداد المعلمين أن تخرّج مربّين محبين لمهنتهم مستشعرين عظمة مهمتهم في الحياة، لا موظفين اضطرتهم الظروف إلى الفصول.
وماذا يملك المربي اليوم؟
قد يقول معلم: كل هذا جميل، لكن واقعي مثقل بالمناهج والأعداد والضغوط، فماذا أملك؟ نقول: تملك أعظم ما في العملية التربوية كلها: نفسك. فمهما ضاقت الإمكانات، يبقى بيدك أن تتقن درسك فيثق بك طلابك، وأن تعدل بينهم فيتعلموا العدل، وأن تحفظ لسانك من التجريح فتحفظ كرامتهم، وأن تلمح الموهوب فتشعل فيه شرارة قد تضيء عمرًا كاملًا. فكم من عالِمٍ وقائدٍ ومصلح كانت بدايته كلمة صادقة من معلم آمن به قبل أن يؤمن هو بنفسه.
خاتمة
الأمم لا تنهض بالثروات ولا بالأبراج، بل بالأجيال التي تُحسن صناعتها، وصانع الأجيال الأول هو المعلم المربي. فمن كان من أهل هذه الرسالة فليستشعر شرفها وثقلها، وليجدد نيته كل صباح وهو يدخل فصله: أنه لا يشرح درسًا فحسب، بل يبني أمة.
اقرأ أيضًا: القدوة قبل الكلمة | من وظائف ومهام المربي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.