حكايات تربوية

الدفتر الكحلي: وصية أب في زمن الغش

الدفتر الكحلي: وصية أب في زمن الغش

في الليلة التي خرج فيها أبوه من العناية المركزة إلى غرفة عادية جلس مازن وحده في دكان الأقمشة القديم يقلّب دفاتر أبيه على ضوء مصباح واحد. كان يبحث عن أرقام تنقذ المتجر من الغرق؛ فالمولات ابتلعت الزبائن، والموردون يطالبون، والمتجر الإلكتروني الذي أطلقه قبل ستة أشهر ما زال يبيع أقل من رسوم استضافته.

وجد الدفاتر مرتبة كما توقع، فأبوه كان يمسك حساباته بدقة صائغ. لكن دفترًا واحدًا في قاع الدرج أوقفه غلاف كحلي باهت، كُتب عليه بخط الأب العريض رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى . وتحت العنوان صفحات مسطّرة بعناية: تاريخ، اسم، مبلغ، وسبب.

 12 رجب أبو صالح الخياط 340 رُدّ له الثمن، ندم على القطعة بعد يومين.

3رمضان  أرملة الحاج منصور  1200 أُسقط الدين، الله يعلم حالها

 19 محرم زبون لا أعرفه 85 القماش فيه عيب صبغة لم أره وقت البيع، بحثت عنه شهرًا حتى وجدته.

صفحات وصفحات. جمعها مازن في رأسه بحكم دراسته للمحاسبة عشرات الآلاف عبر ثلاثين سنة. دفترُ نزيفٍ مالي موثّق بخط رجل يعرف تمامًا كم خسر. أغلق مازن الدفتر وقال لنفسه بمرارة هكذا تُدار المتاجر إلى القبر.

 

بعد أسبوع جاءه رجلان في يوم واحد.

الأول اسمه في بطاقته مستشار نمو رقمي، فرش أمامه على الطاولة عرضًا ملونًا ثلاثمائة تقييم خمس نجوم خلال شهر، حسابات حقيقية يستحيل كشفها، صور معالَجة تجعل قماش الثمانين يبدو كقماش الأربعمائة، وعداد تخفيضات ينتهي كل ليلة ثم يبدأ من جديد. قال الرجل وهو يبتسم الكل يفعلها. السوق لا يرى الصادق السوق يرى الأعلى تقييماً.

والثاني تاجر جملة يعرفه من سوق القماش، 

جاء يهمس: أزمة شحن قادمة خلال أسابيع، الحاويات متوقفة، والقماش المخزّن في مستودعك سيساوي ثلاثة أضعاف ثمنه قبل نهاية الشتاء.

أقفل المستودع يا مازن. لا تبع متراً واحداً. الذي معه بضاعة في الأزمة معه ذهب.

في تلك الليلة لم ينم. كان العرضان يتقلبان في رأسه مع أرقام الديون.

 وكان بينهما وجه أبيه على سرير المستشفى، ووجهٌ أبيه قبل عشرين سنة، في أزمة مشابهة اجتاحت السوق.

يفتح الدكان في السابعة صباحاً كعادته ويبيع بسعر الأمس نفسه، والتجار حوله أغلقوا أبوابهم انتظاراً للغلاء. 

سأله مازن الصغير يومها بمنطق طفل يرى أباه يفوّت مكسباً واضحًا: 

لماذا لا تنتظر مثلهم؟ فأجابه أبوه وهو يقصّ القماش دون أن يرفع رأسه: لا يحتكر إلا خاطئ يا مازن. هذه ليست كلمتي حتى تُناقَش، هذا كلام النبي ﷺ،  والناس لا تلبس انتظاراً لقرارات التجار.

يومها لم يفهم. الليلة والدفتر الكحلي أمامه بدأ شيء ما يتضح.

رفض العرضين ولم يشعر ببطولة وهو يرفض؛

 شعر بخوف رجل يقطع آخر حبال النجاة بيده. 

 

ثم فعل شيئاً بدا له جنونًا تجاريًّا كاملًا: فتح صفحة متجره الإلكتروني وذهب إلى التقييم الوحيد ذي النجمة الواحدة، الذي نصحه المستشار الرقمي بحذفه أولَ ما جلس. كتبت صاحبته قبل شهرين: القماش وصل وفيه اختلاف درجة لون عن الصورة.

 كتب مازن تحته باسمه الصريح: الملاحظة صحيحة، إضاءة التصوير كانت خادعة. عدّلنا الصور، ونعتذر ويصلك بديل مجاني أو استرداد كامل الثمن، كما تختارين.

 ثم أضاف تحت كل صنف في المتجر خانة جديدة لم يرها في متجر منافس عيوب يجب أن تعرفها قبل الشراء.. هذا القماش ينكمش بعد أول غسلة، هذا لونه أغمق قليلاً من الشاشة، هذا لا يناسب الصيف.

كان يكتبها ويتذكر طاولة عند مدخل الدكان القديم، يضع عليها أبوه أثواباً عليها بطاقات صغيرة: به عيب صبغة...طرفه متآكل، بأسعار مخفّضة. 

سأله مرة من يشتري ما تعلن أنت نفسك عن عيبه؟ فحكى له أبوه عن النبي -ﷺ- حين أدخل يده في كومة طعام فوجد بللًا مخبوءًا في قاعها، فقال لصاحبها: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني»  ثم قال الأب: أنا يا ابني أضع البلل فوق الكومة. والعجيب أن الناس تشتري الكومة كلها.

 

جاءت الأزمة كما تنبأ تاجر الجملة وارتفعت الأسعار، وأغلق مازن يومه الأول منها على أسوأ رقم مبيعات في تاريخ المتجر، لأن من حوله رفعوا الأسعار وثبّت هو سعره فظن الزبائن أن في الأمر خدعة.

في اليوم الثالث وقف على باب الدكان رجل سبعيني يسنده عكازه، قدّم نفسه: أبو صالح الخياط. قال إنه سمع أن الحاج مريض ووريثه يكمل على طريقته، فجاء يتأكد بعينه. وقف يتحسس الأقمشة، ثم قرأ بطاقات العيوب المعلقة، وضحك ضحكة طويلة: بطاقات أبيك. ظننتها ماتت معه في المستشفى. ثم أخرج هاتفه واتصل بابنه صاحب مشغل الخياطة النسائية الأكبر في المدينة.

خلال أسبوعين كان مشغل ابن أبي صالح قد حوّل توريداته كلها إلى مازن، بعقد سنوي، قال فيه الابن جملة واحدة وهو يوقّع: في الأزمة يا مازن، أنا لا أشتري قماشًا. أنا أشتري كلامًا يصدق. وجاءت أرملة الحاج منصور تجرّ حفيدها لتشتري زيّ مدرسته، ودفعت من دينها القديم مئةً قال عنها مازن إنها ليست مسجلة عنده، فأصرّت: مسجلة عند الله وعند أبيك. وبدأ التقييم ذو النجمة الواحدة يجمع تحته ردوداً غريبة من زبائن لا يعرفهم: اشتريت من هذا المتجر بسبب هذا الرد بالذات

في آخر الشهر زار أباه يحمل الدفتر الكحلي. كان الأب قد استعاد نطقه جزئيًّا، فوضعه مازن في حجره وقال: وجدت دفتر الخسائر يا أبي... حرّك الأب يده السليمة ببطء وقلب الغلاف ومرّ بإصبعه على الحديث المكتوب، ثم على الصفحات، ثم رفع عينيه إلى ابنه وقال بلسان ثقيل يقاتل ليخرج الكلمات:

خسائر؟ هذا أصل المحل كله. الباقي بضاعة

فتح مازن الصفحة الأولى الفارغة بعد آخر قيود أبيه وأخرج قلمًا، وكتب التاريخ.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم