من أعجب ما تراه في واقع المسلمين اليوم أن تجد التجريح والتحقير بين المنتسبين إلى الدين نفسه أشدّ ممّا بينهم وبين مخالفيهم. فكلّ فريقٍ يتتبّع عيوب الآخر ويشهّر بها، ويجعل من الخلاف الفرعي قضية ولاءٍ وبراء. حتى صار تتبّع عورات المسلم وإظهار عيوبه — وقد حرّمه ديننا — مهنةً يمتهنها بعض الشباب المتديّن، ويحسبها من الغيرة على الدين.
تشخيص الداء
فإذا قرأت الواقع قراءةً متأنّية، يظهر لك أن الأخوّة غائبة عند الطرفين معًا؛ فالخلافات غير الجوهرية طُمست بها معالم ديننا الحنيف، وغاب عن وعيهم وتصرّفاتهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
والمشكلة أن هذه الحروب الفكرية والعداوات الكلامية غالبًا ما تكون امتدادًا لخصوماتٍ قديمة عمّى عليها الزمن، ثم تجدّدت في ثوبٍ جديد؛ فيرث الجيل الجديد عداوةً لا يعرف أصلها، ويقاتل فيها بحماسةٍ لا يعرف مبرّرها.
لماذا التعيير من أخطر الأمراض؟
لأنه يهدم أعظم رابطة قرّرها الشرع: فالأخوّة الإيمانية أصلٌ ثابت، والاجتهادات والانتماءات فروعٌ متغيّرة؛ فمن هدم الأصل الثابت لأجل الفرع المتغيّر فقد عكس الميزان.
ولأنه يُشغل الأمّة بنفسها عن رسالتها: فالطاقة التي تُنفق في المهاترات كان يمكن أن تُنفق في البناء والنفع والتعليم.
ولأنه يشوّه صورة الدين عند الناس: فمن يرى أهل الدين يتنابزون، ينفر من الجميع.
ولأنه يورّث الأجيال طبعًا سيّئًا: فالشابّ الذي نشأ يسمع التجريح، يتقن التجريح؛ ويصبح النقد عنده هدمًا لا بناءً.
طريق العلاج
أوّلًا: الفهم الصحيح لديننا. فهذا هو العلاج الجذري؛ إذ يعرف المسلم بالفهم الصحيح أين مواضع الاتفاق العظيمة وأين مساحات الاجتهاد. فالمشترك بيننا أضعاف أضعاف ما نختلف فيه، ومن بنى على المشترك اجتمع، ومن بنى على المختلف تفرّق.
ثانيًا: التمييز بين الجوهري والفرعي. فليس كلّ خلافٍ يستدعي المفاصلة؛ فالخلاف في الأصول شيء، وفي الفروع الاجتهادية شيءٌ آخر. فالخلافات غير الجوهرية لا يجوز أن تُطمس بها معالم الدين.
ثالثًا: الاعتراف المتبادل بأن لكلٍّ دوره. فالمجتمع يحتاج وضع حدٍّ لظاهرة التعيير، والترويج المشترك لتقارب الفهم، وتقليل المتفرّق، والاعتراف المتبادل بأن لكلٍّ دوره؛ فتُؤخذ الإيجابيات وتُترك السلبيات. ومن هنا تتحقّق الأخوّة في الدين.
رابعًا: هدم العوائق لا بناؤها. فالعمل الإسلامي الناجح لا يشارك في التعيير، بل يروّج للأخوّة بين أفراده وبين المجتمع؛ لا يبني العوائق بل يهدمها، ويصلح الطريق لسالكيه من جميع أطياف المجتمع المسلم.
ومن هذا الباب: التطاول على العلماء
ومن أخطر صور هذا الداء التطاول على العلماء والطعن في الدعاة والنبش في أخطاء الرموز. وقد حذّر الحافظ ابن عساكر رحمه الله من هذا منذ قرون فقال: "اعلم يا أخي أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة".
ولا يعني هذا تحريم النقد؛ فالنقد بعلمٍ وأدب مشروع، بل واجب أحيانًا. لكنّ الفارق بين النقد والتجريح: أن النقد يتناول القول لا القائل، ويقصد بيان الحقّ لا إسقاط الشخص. ومن الخلل الجسيم عدم التفريق بين عصمة ما يدعو إليه العلماء من الدين وبين تجربتهم البشرية التي لا تخلو من الخطأ.
خاتمة
قبل أن ترفع صوتك بالتشنيع على مخالفٍ لك، اسأل نفسك: أهذا خلافٌ في أصلٍ أم في فرع؟ وهل أقصد بيان الحقّ أم إسقاط الشخص؟ وهل ما أفعله يبني جسرًا أم يهدمه؟ فإنما المؤمنون إخوة؛ والأمّة التي تنشغل بتعيير بعضها تُهدر طاقتها في معركةٍ لا غالب فيها، ويربح خصومُها من حيث لا تشعر.
اقرأ أيضًا: فقه الاختلاف: لأن نجتمع على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب | بين التقدير والتقديس: كيف نتعامل مع علمائنا ورموزنا؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.