كانت رنا تشبه ميزانًا قديمًا لا يستريح. في يدها اليمنى الأرقام، وفي يدها اليسرى الأرقام أيضًا. حتى حين تضحك، كانت تضحك بحساب.
في بيتها الصغير المرتّب كمستودع بنكي، كان لكل ريال قصة مكتوبة في دفتر أزرق. دفتر لم يشاركها أحدٌ كتابته. لا حتى زوجها كريم، ذلك الرجل الطيب الذي يدخل الباب كل مساء ويجد زوجته تنتظره... بسؤال.
كم أنفقت اليوم؟
لماذا اشتريت هذا؟
هل كان ضروريًّا؟
في البداية كان كريم يجيب بصبر. ثم بإيجاز. ثم بصمت. ثم أصبح يتأخر في العودة. ليس لأنه يكره البيت، بل لأن البيت صار يشبه إدارة الضرائب.
ذات يوم جلست رنا أمام دفترها الأزرق وأدركت شيئًا لم تكن تتوقعه.
كل الأرقام صحيحة.
لكن البيت فارغ.
الأرقام صحيحة... وكريم لا يضحك.
الأرقام صحيحة... وأطفالهما يتحدثون بصوت خافت في البيت كأنهم في مكتبة حكومية.
الأرقام صحيحة... وهي وحيدة في عالمها المحاسبي البارد.
ربما المشكلة ليست في الأرقام، ربما المشكلة في أنني نسيت أن أحسب الأشياء التي لا تُحسب.
في تلك الليلة، أغلقت رنا دفترها الأزرق للمرة الأولى قبل منتصف الليل.
ودخلت إلى غرفة المعيشة حيث كان كريم يجلس وحده يشاهد شاشة لا يراها.
جلست بجانبه. بلا سؤال. بلا دفتر. بلا ميزان.
قالت فقط أخبرني عن يومك.
التفت إليها كريم كمن يسمع صوتًا نسيه منذ زمن. ثم تكلّم. وتكلّم. وتكلّم.
وللمرة الأولى منذ سنوات، مرّ المساء دون أن تسأله رنا عن إيصال.
الأسبوع الأول اكتشفت رنا أن يديها ترتجفان حين لا تمسكان بالدفتر. القلق يهمس ماذا لو ضاع ريال؟ لكن قلبها يجيب ماذا لو ضاع إنسان؟
الأسبوع الثاني تحوّلت من مراقِبة للمال إلى مراقِبة لكريم. لاحظت لأول مرة أنه يُحب القهوة بلا سكر. وأن ابنها الأصغر يخفي ضحكته حين يخطئ في اللعب. وأن البيت حين يمتلئ بالكلام يصبح أكبر.
الأسبوع الثالث اتصلت بكريم وقالت اختر مطعمًا، أي مطعم، لا تسألني عن السعر.
صمت كريم لحظة. ثم قال بصوت خشن قليلًا أنتِ بخير؟
قالت أنا الآن أفضل مما كنت.
هنا حدثت المعجزة التي لم تكن تتوقعها.
تذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَة…﴾ [الروم: 21]. فسألت نفسي أين المودة والرحمة في دفتري الأزرق؟"
لم يختفِ الدفتر الأزرق لكنه تغيّر. لم تعد تكتب فيه فقط الأرقام. صارت تكتب أيضاً ضحكة كريم حين أحرجته أمام الأولاد. نزهة الجمعة التي لم تحسب فيها المبالغ. هدايا يوم لبس ابنتهما الحجاب ، هدايا يوم بلغ ابنهما سن الصلاة التي لم تسأل عن ثمن هدية واحدة.
بعد عام كانت رنا تجلس مع صديقتها على شرفتها تشربان شايًا بلا حساب.
قالت الصديقة: سمعت أنكِ تغيّرتِ. كيف؟
ابتسمت رنا ابتسامة من تعلّمت درسًا غاليًا.
كنت أحاسب القمر على نوره. كنت أقول لماذا تضيء هنا ولا تضيء هناك؟ لماذا تكتمل ثم تتناقص؟ ما جدوى هذا الضوء إن لم أسيطر عليه؟
ثم أدركت أن القمر لا يحتاج محاسبتي. يحتاج أن أجلس تحته وأستمتع بنوره.
كريم ليس رقماً في دفتري. هو شريكي. والشريك لا يُحاسَب كالموظف. يُعاش معه كالرفيق.
يا صديقتي: الناس يظنون أن سعادة البيت في ضبط الميزانية. وأنا كنت منهم. لكن الحقيقة أن ضبط الميزانية بلا دفء يُنتج بيتاً نظيفًا... وقلوبًا باردة.
السر ليس في أن توقفي عن المحاسبة. السر في أن تعرفي ما يستحق أن تُحاسبي عليه وما يستحق أن تهبيه.
لم أعد أسأل أين ذهب كل ريال؟
بل أسأل إلى أين نحن ذاهبان معًا؟
العبرة ليست في ضبط الإنفاق بل في ضبط البوصلة. عندما يتفق الزوجان على الاتجاه، يتفق المال على أن يسير معهما... لا أن يقف في طريقهما.
فكوني شريكة... لا محاسِبة فقط.
وكوني قمرًا يُنير... لا ميزانًا يزن.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.