المربي

المربي

إنكار الذات خارج البيت: في صلة الرحم وأخوة الطريق

إنكار الذات خارج البيت: في صلة الرحم وأخوة الطريق

إنكار الذات خلقٌ لا يقف عند عتبة البيت؛ فإن كان أول ميادينه الأسرة، فإن أثره يمتد إلى كل علاقة يقيمها الإنسان. وميدانان من أظهر ميادينه: صلة الأرحام، وأخوة الطريق.

 

أولًا: في العلاقات الاجتماعية

يرى العاقل أن صلة الرحم أوسع أبواب استجلاب رحمة الله ورضوانه؛ ولئن أغلق إنسان هذا الباب، فهيهات أن يجد بابًا أقرب منه يوصله إلى رضوان الله. ولهذا ينبغي للعاقل أن يسدّ كل منافذ الشيطان التي تسعى لغلق هذا الباب في وجهه، وأن يتفوق على نفسه التي تدعوه إلى الندية في المعاملة.

وهنا مربط الفرس: فالنفس تريد المعاملة بالمثل؛ تصل من وصلها وتقطع من قطعها، وتحسن إلى من أحسن إليها. وهذه ليست صلةً في الحقيقة، وإنما هي مكافأة ومقاصّة. أما الصلة التي أرادها الشرع فهي أن تصل من قطعك، وذلك لا يُنال إلا بإنكار الذات؛ لأن الواصل هنا يتنازل عن حقه في الغضب وعن رغبته في ردّ الإساءة، ابتغاء ما عند الله.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو قرابته، فقال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلُم عليهم ويجهلون عليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن كنت كما تقول، فكأنما تُسِفّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك" (رواه مسلم).

فانظر إلى الجزاء: عونٌ من الله ونصرةٌ دائمة ما دام على حاله؛ وهي منزلة لا ينالها من انتظر أن يُبدأ بالإحسان.

 

ثانيًا: في الأخوة في الله

الأخوة في الله أوثق عُرى الإيمان، وأقرب المسالك لاستجلاب محبة الله تبارك وتعالى. والمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه؛ والأعباء ثقيلة، فما لم نتعاون على حملها استحالت.

والشعار الذي يرفعه العقلاء: أن المهمّ الإنجاز، وليس مَن أنجز. فمن تقدّم ليسدّ ثغرة على الأمة ــ وإن كانت يسيرة ــ فهو الفائز حقًّا؛ بخلاف من سعى إلى زعامة أو رئاسة. فالأول همّه أن يُعمَل العمل، والثاني همّه أن يُنسب العمل إليه؛ والفرق بينهما في الظاهر خافت، وفي الميزان عظيم.

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يُفتقدوا، وإن حضروا لم يُعرفوا" (رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه).

فهؤلاء قوم أخفوا أنفسهم فأظهرهم الله عنده، ولم يطلبوا مكانًا في الصفوف الأولى، فكانوا أثقل الناس في الميزان. وهذه هي ثمرة إنكار الذات في العمل الجماعي: صفٌّ لا يتنازع أهله على المواقع، وعملٌ لا يتوقف إن غاب أحدهم، لأن المقصود كان العمل نفسه لا صاحبه.

 

 

اقرأ أيضًا: إنكار الذات في البيت | التجرد في حياة المربي: أن تخدم الرسالة لا أن تستخدمها

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم