الأسرة

ملــف أولادنــا

كيف نربي أبناءنا على ألا يحتقروا أحدًا؟

كيف نربي أبناءنا على ألا يحتقروا أحدًا؟

يجلس الطفل في مجلس أهله فيسمع: "هؤلاء الناس كلّهم كذا"، "لا تصادق فلانًا فأهله من كذا"، "هذه البلد أهلها كذلك". فيلتقط ــ دون أن ينتبه أحد ــ أوّل دروسه في تصنيف البشر. ثم نتعجّب حين يكبر متعاليًا على من يخالفه لونًا أو جنسًا أو منبتًا!

والتصوّر الإسلامي يهدم هذا من أصله؛ فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية، ولا نشجّع عصبية الأجناس والألوان، ولكن ندعو إلى الأخوّة العادلة بين بني الإنسان. فـالجنس البشري كلّه مرجعه إلى دمٍ واحد وطينةٍ واحدة، وإن اختلفت البيئات والوسائط والمدارك والثقافات؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من مات على عصبية" (رواه أحمد من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه). فتأمّل شدّة اللفظ: "ليس منّا"؛ فأيّ زجرٍ عن هذا الخُلق أبلغ من هذا؟

 

تقسيمٌ ظالمٌ يتكرّر

ومن اللافت أن هذا الداء ليس محصورًا في بيئةٍ دون أخرى؛ فقد نقل الإمام البنا -رحمه الله- عن أحد زعماء الغرب أنه يقسّم الجنس البشري إلى مبتكرين ومحافظين ومخرّبين؛ فيعتبر قومه مبتكرين، وقومًا آخرين محافظين، ويعتبرنا نحن الشرقيين مخرّبين ومدمّرين. ثم علّق: هذا التقسيم ظالمٌ جائر، فضلًا عن أنه غير صحيح بأصله.

ومثل هذه المزاعم إنما هي نزواتٌ من غرور الإنسان وطيش الوجدان، لا يمكن أن تستقرّ على أساسها نهضات ولا تقوم على قاعدتها مدنيّات. فمن أراد أن يربّي ابنه على البناء، فليخلّصه أوّلًا من هذه النظرة؛ فمن احتقر الناس لم يبنِ معهم شيئًا.

 

كلّ إنسانٍ قابلٌ للإصلاح

ومن أجمل ما يُغرس في نفس الطفل أن ليس هناك جنسٌ من بني آدم لا يمكن إصلاحه في حدود ظروفه وبيئته الخاصة به، وأن الإنسان إذا هُذّب استطاع أن يرتقي من رتبته إلى أعلى منها بقدر ما يصل إليه من تهذيب. فالناس ليسوا طبقاتٍ خُلقت شريرة وأخرى خيّرة؛ بل هي ظروفٌ وتربية وبيئات، وكلّ إنسانٍ قابلٌ للخير.

وهذا المعنى يصنع في الطفل رحمةً بدل الاحتقار، ودافعًا للإصلاح بدل اليأس من الناس.

 

خطوات عملية في البيت

اضبط لسان مجالسك. فأوّل مصدرٍ لعنصرية الطفل هو ما يسمعه منك عن الآخرين. فلا تُطلق أحكامًا عامّة على شعبٍ أو قبيلةٍ أو أسرة؛ وإن سمعت من أحدٍ في مجلسك تعميمًا جارحًا، فصحّحه بلطفٍ أمام أبنائك؛ فالتصحيح العلني يعلّمهم أن هذه ليست لغة بيتنا.

علّمهم الميزان الوحيد. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فالتفاضل عند الله بالتقوى والعمل، لا باللون ولا النسب ولا الجنسية ولا المال. ورسّخ هذا بالتكرار عند كلّ موقف.

احكِ لهم عن تنوّع الصحابة -رضوان الله عليهم- بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأبو بكر القرشي -رضي الله عنهم جميعًا- في صفٍّ واحد. فالنماذج الحيّة تصنع في وجدان الطفل ما لا تصنعه المواعظ.

أشركهم مع المختلفين. فالصداقة مع طفلٍ من بيئةٍ أخرى، أو نشاطٌ يجمع فئاتٍ متنوّعة، تكسر الصور النمطية أسرع من أيّ كلام؛ فمن عرف الناس عن قربٍ عجز عن كراهيتهم جملة.

علّمهم أدب التعامل مع الخدم والعمّال. فهذا أدقّ اختبارٍ لتربيتك؛ فالطفل الذي يتعلّم احترام من يخدمه، ينشأ لا يحتقر أحدًا.

وصحّح فهمهم للاعتزاز. فالاعتزاز بالدين واللغة والوطن أمرٌ حسن، لكنّه غير الاستعلاء على الخلق. علّمهم الفرق: أن تعرف قيمة ما تحمل شيء، وأن تحتقر غيرك شيءٌ آخر تمامًا.

 

خاتمة

قبل أن تشكو من تعالي جيلٍ أو عصبيّته، انظر ماذا يسمع أبناؤك في بيتك. فربِّهم على أن الناس مرجعهم إلى دمٍ واحد وطينةٍ واحدة، وأن الكرامة بالتقوى، وأن كلّ إنسانٍ قابلٌ للخير. فبذلك تُخرج للحياة إنسانًا لا يدعو إلى عصبية ولا يموت عليها، يبني مع الناس ولا يبني الجدران بينهم وبينه.

 

 

اقرأ أيضًا: ثلاثة عملوا أعظم الأعمال ودخلوا النار

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم